Make your own free website on Tripod.com

حقيقة الحجاب وحجية الحديث

المستشار / محمد سعيد العشماوى

الكتاب الذهبى

مؤسسة روزاليوسف

9274/2002

7 ـ 060 ـ 201 . 977

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مقدمة الطبعة الكاملة

 

نظرًا لطبيعتى الخاصة وثقافتى العامة, ودراستى القانونية, وعملى القضائى, فقد درجت على ألا ألتفت إلى القول المرسل, مهما كان شائعًا, أو أنتبه إلى الرأى المطلق, ولو كان غالبًا, وإنما أبحث وأدرس ما وراء القول وما حول الرأى, من أسباب وأسانيد وحجج وأدلة, مهما كان البحث مضنيًا أو كان الدرس مجهدًا. وكانت النتائج الصحيحة التى يصل إليها البحث وينتهى إليها الدرس, خير جزاء على الضنى وأفضل مكافأة على الجهد.

 

 والذى راعنى بحق, أنى خلصت من بحوثى ودراساتى إلى أن العقل البشرى فى مجموعه, تكوَّن بالإشاعات, وتركب بالأمنيات وتأسس بالخرافات ولم يكن للحقائق فى هذا التأسيس وذلك التركيب وذاك التكوين شأن كبير. ولأن الإشاعة تترابط بالإشاعات والأمنية تتساند بالأمنيات, والخرافة تتراكن إلى الخرافات, فقد نتج عن هذا كله تراث شائه. أدنى إلى الخرافة وأقرب إلى السخافة, ليس فيه من الحقيقة شئ عظيم. ومع مرور السنين توارثت الأجيال هذا التراث, رغم وجود اختلافات فيه بسبب الحدود المكانية أو الظروف الزمانية, أو المواريث القبلية أو المعاريض النقلية, غير أن المؤكد لدى البحث الرصين والدرس المحايد أن أغلب موروثات العقل البشرى فى كل أوان وكل مكان, لها من الخرافة حظ مؤثر, قليلاً كان أم كثيرًا, وأن التخلص من الخرافات ومن المغلوطات يقتضى جهودًا مضنية من البشرية كلها, تتوافق على تحديد الهدف وسبيل العمل وتقدير النتائج.

 

وفى نطاق الدراسات الإسلامية, فقد وجدت الكثير من الأخطاء فى الفكر وفى الفقه ترجع كلها إلى عدم تعريف الألفاظ, أو ما يسمى بلغة علم أصول الفقه, عدم ضبط المصطلحات, هذا بالأضافة إلى غياب المناهج عامة, وإلى أن أكثر العلماء والكتاب لايُصدر فيما يكتب ويبحث ويقول عن تعريف وتحليل وتعقيد ومنهجة, وإنما يفعل ذلك لتبرير وضع قائم أو فكر موروث أو قول مبتور أو رأى مشطور. وقد تعدى هذا الأسلوب إلى النهج الإسلامى عامة, فقلّ أن يُوجد من يقرأ أو يسمع قصد الوصول إلى الرأى الصادق, والقول الصحيح, والعلم المتين.

 

لقد حاولت فى الدراسة المنشورة فى هذا الكتاب, ما احوله فى كل أعمالى, من وضع التعريف أو ضبط المصطلح وإتباع منهجية واضحة ونظامية مطردة حتى أخلص لنفسى ولغيرى بأقرب الآراء إلى الصحة وادناها إلى الصواب حتى لو خالفت المألوف وعارضت المعروف. لكنى تبينت أن المشكلة ليست فى الوصول إلى الصواب ولا فى الحديث على مقتضاه, إنما المشكلة الحقيقية هى فى الرفض المسبق من القارئ أو السامع لقبول الرأى الآخر أو السماح بأى كلمة تهدد فكره المغلوط أو تقوض رأيه المخطئ أو تفكك حماسته للأوهام. ومع كل ذلك فإن القافلة لابد أن تسير لأن العواء سوف يخفت ثم يصمت أمام قوة الحق وقدرة الصدق.

 

وهذا الكتاب هو الغائب الحاضر, فلقد ادت ظروف سيئة تتصل بالنشر وبحماية حق المؤلف إلى أن يغيب عن الظهور المستمر الواضح فى ساحة الفكر العربى وأن يكون تداوله سرًا بعيدًا عن القانون, أو يكون نسخًا ليس هو الأصل, وزعم البعض فى دعاية مغرضة أن الكتاب قد صودر, وهذا قول غير صحيح ولم يحدث قط لأن للمصادرة إجراءات قضائية لم تُتَّبع لا فى هذا الكتاب ولا فى أى كتاب من كتبى, لكنه القول الهراء الذى لاقيمة له وإن كان قد حدث ضمن طلب مستمر وشديد على الكتاب, مما يقطع بأنه كان على الدوام حاضرًا فى عقول الناس وفى ضمائرهم.

 

وهاهى الطبعة الكاملة توضع بين أيدى القراء, وتصدر عن دار " روزاليوسف" التى حدثت على صحفاتها أشهر مجادلة عن الحجاب, فريضة هو أم غير فريضة. وقد تضمنت الطبعة ثلاثة ملاحق لابد منها لتتكامل الدراسة.

 

والله ندعو أن يوفق الجميع إلى السمع المحايد والقراءة الموضوعية والحكم الصائب, لما فى ذلك من أثر عظيم على الأفراد وعلى الإسلام, وعلى البشرية.

                                                                                                                                                              10 فبراير 2002.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ملحق رقم (1)

 

بصدد آية الحجاب [ سورة الأحزاب 33: 35 ] فإن البعض يقول إنها حتى لو كانت خاصة بزوجات النبى فإن حكمها يمتد ليشمل كل المؤمنات    " المسلمات", تأسيسًا بزوجات النبى وبإعتبار أنهن قدوة حسنة للمسلمات, يقتدين بهن وبما ورد فى القرآن عنهن, وبالتالى فإن الحجاب الذى ورد بشأنهن يكون واجبًا كذلك على كل المؤمنات " المسلمات" .

 

ويُرَد على هذا القول بما يلى:

أولاً: أن الحجاب الوارد فى الآية المذكورة ليس الخمار الذى يوضع على الشعر أو الوجه, لكنه يعنى الساتر الذى يمنع الرؤية تمامًا, ويحول بين الرجال المؤمنين وبين زوجات النبى كلية, على نحو ما سلف البيان فى شرح ذلك.

وإذا أرادت إمرأة معاصرة أن تتخذ لنفسها حكم هذه الآية, فعليها أن تضع ساترًا أو حاجبًا أو حاجزًا يحول بين رؤيتها للرجال عامة. ورؤية الرجال لها من أى سبيل, وهو ما يؤدى لامحالة إلى انحباسها فى سكنها أو فى أى مكان آخر بحيث لاترى ولاترى. وعندما يحبس أحد الرجال زوجه فى بيتها. ويمنعها من الخروج إلى الطريق, ويحظر عليها لقاء الرجال تمامًا, فإنه لاشك يكون متأثرًا بالفهم الذى يقوله البعض بشأن تأسى المؤمنات بزوجات النبى فى حجبهن عن الرجال بإطلاق, لابوضع خمار ولاغيره.

 

ثانيًا: ورد فى القرآن الكريم ما يفيد كون الرسول أسوة للمؤمنين وذلك فى الآية { لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة } [ سورة الأحزاب 33: 21 ]. لكن لم ترد فى القرآن آية آية تفيد أو تشير إلى أن تكون نساء النبى أسوة المؤمنات. فأسوة النبى للمؤمنين هى حكم شرعى بداعى النبوة الذى يجعل منه مثلاً للناس يتبعونه فيما قال وفيما فعل, من كريم القول وسليم الفعل, لكن زوجات النبى بعيدات عن الرسالة نائيات عن النبوة, وهن نساء صالحات شأنهن كشأن كل , أو جل, المؤمنات الصالحات.

 

ثالثًا: وقد وضع القرآن ما يفيد التفاصيل بين زوجات النبى وسائر المؤمنات فيما جاء فى الآية { يا نساء النبى لستن كأحد من النساء } [ سورة الأحزاب 33: 32].

ففى هذه الآية تقرير حاسم حازم بوجود تفاصيل وتغاير بين نساء النبى وغيرهن من المؤمنات بما يعنى أن الأحكام التى تتقرر لزوجات النبى تكون لهن خاصة, وليست لباقى المؤمنات.

ومن هذه الأحكام أن يضاعف لهن العذاب إن أتت إحداهن بفاحشة { يا نساء النبى من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين }      [ سورة الأحزاب 33: 30], وأنه يمتنع على الرجال أن يتزوجوا منهن بعد النبى لزومًا أنه يمتنع عليهن الزواج بعد وفاة النبى ومهما ظلت الزوج أرملة على ما ورد فى الآية { يا أيها الذين آمنوا ... وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا } [ سورة الأحزاب 33: 53]. وأنه يمتنع على النبى ـ بعد تنزيل الآية التى سوف يلى نصها ـ أن يطلق إحدى زوجاته أو أن يتبدل بهن, إحداهن أو كلهن أزواجًا أخرى إذ أصبحت كل النساء حرامًا عليه فيما عدا زوجاته آنذاك { لايحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج } [ سورة الأحزاب 33: 52].

وهذه كلها أحكام خاصة بالنبى وزوجاته , لايجوز ولايمكن أن يمتد حكمها إلى غيره وغيرهن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ملحق رقم (2)

 

ورد الخمار فى آية, ورد فى متن الكتاب منها ما يتعلق بموضوعه, وهو الحجاب, لكن البعض يثير للإعتراض ما يرد فى كامل الآية, ومن ثم تعين إيراد الآية بأكملها, ثم الرد على ما قد يثأر بشأنها من اعتراضات تقصد النيل من الرأى الذى تتضمنه الدراسة من أن الحجاب أو الخمار, ليس فريضة حتى وإن كان فضيلة.

 

نص الآية هو ما يلى: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعلوتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بنى إخوانهن أو بنى أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء , ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن ... } [ سورة النور 24: 31].

 

ومن هذه الآية يُستفاد ما يلى:

أولاً: أنها تتضمن حكمًا عامًا بأن تغض المؤمنات, نساءً , أبصارهن وأن يحفظن فروجهن, وهو حكم يقصد إلى نشر وتأكيد العفة والترفع عن الدنايا بين المؤمنات عمومًا. وهو ـ بالإضافة إلى هذا ـ يُفيد أنهن كن يطلعن على وجوه الرجال كما تفيد الآية السابقة عليها { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .. } أنهم كانوا يطلعون على وجوه النساء, أى إنه كان ثم سفور للأوجه بين الرجال والنساء ولم يكن هناك تقنع من هذا الجانب أو ذاك.

 

ثانيًا: أن الآية تتضمن بيان زينتهن, زينة يمكن إبداؤها عامة " وإن كان ذلك بشروط" وزينة لايمكن إبداؤها إلا للخاصة.

ويقول الفقهاء المسلمون أن الزينة الأولى هى الزينة الظاهرة, فى حين أن الزينة الثانية هى الزينة الخفية.

فالزينة الظاهرة أو ظاهر الزينة التى يجوز للنساء والفتيات إبداؤها هى الوجه والكحل والسوار والأقراط والخواتم, وأضاف البعض الخلاخل التى تُوضع فى الساق. والزينة الخفية هى ما عدا ذلك, مثل الفخاذ والصدور والبطون وغيرها. وهذه لايجوز أن تبدو إلا لمن عددتهم الآية وهم الأزواج والآباء والأبناء وآباء البعول وأبناء البعول " من زيجات أخرى" والإخوة وأبناء الإخوة أو نسائهن, أو التابعين من المخصيين, أو العبيد ( دون تفرقة بين العبيد من الرجال والإماء من الحريم), وكذلك الأطفال.

وفى هذا الصدد فإن على المرأة ألا تضرب برجلها, أى تضع ساقًا على ساق فيظهر ما يخفى من زينة الفخذ أو غيره.

 

ثالثًا: أن ما أسماه الفقهاء بالزينة الخفية أو غير الظاهرة لايدخل فى تقدير مسألة الحجاب ومن ثم فإن الدراسة عمدت إلى أن تتركه قصدًا على اعتبار أنه من المعلوم والمفهوم أنه غير الزينة الظاهرة التى يتعلق بها أمر الخمار, ولكن اختلاط الفهم لدى البعض ـ عمدًا أو عفوًا ـ يدعو إلى إثباته فى هذا الملحق.

 

رابعًا: ما ورد فى الآية من جملة { وليضربن بخمرهن على جيوبهن..} لايعنى فرض الخمار أصلاً وشرعًا لكنه يرمى إلى التعديل فى عادة كانت قائمة وقت التنزيل بوضع الخمار ضمن المقانع وإلقائه على الظهر بحيث يبدو الصدر ظاهرًا ومن ثم كان القصد هو تعديل العادة ليوضع الخمار على الجيوب وكانت الجيوب فى ذلك الزمان وبعضها فى هذا الزمان توضع على الصدور, كما هى العادة حالاً ( حاليًا ) فى بعض الجلاليب حتى الرجالى منها.

 

ولو أن الآية قصدت فرض الخمار لكان لها فى ذلك تعبير آخر مثل: وليضعن الخُمر ( جمع الخمار ) على رؤوسهن, أو ما فى هذا المعنى أو هذا التعبير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

ملحق رقم (3)

 

يُضاف إلى ما ورد فى شأن الأحاديث, ما يلى:

 

أولاً: جمع البخارى 600000 ( ستمائة ألف ) حديث أخرج منها 4000 ( أربعة آلاف ), إذا رفع منها المكرر كانت 2762 حديثًا.

وجمع مسلم 300000 ( ثلاثمائة ألف حديث) أخرج منها 4000 ( أربعة آلاف ) حديث.

وجمع مالك بن أنس ( حوالى 93 ـ 179 هـ ) مائة ألف حديث, إختار منها فى الموطأ 10000 ( عشرة آلاف ) حديث , أنزلها إلى 5000         ( خمسة آلاف ) وفى قول خمسمائة ولعل الإختلاف جاء من الإختلاط فى صفر.

أما أبو داود " السجستانى" فقد جمع 500000 ( خمسمائة ألف ) حديث , أخرج منها 4800 ( أربة آلاف وثمانمائة ) حديث.

ومن هذا يظهر الكم الهائل فيما رُوى من أحاديث ( منحولة ) عن النبى, لم يخرج منها إلا ما يُقابل واحدًا فى المائة, من وجهة نظر كل جامع لها.

 

ثانيًا: فى كتاب " الإحكام فى أصول الأحكام" للآمدى أن عبد الله بن عباس لم يسمع من رسول الله سوى أربعة أحاديث وذلك لصغر سنه.

وقال ابن القيم فى " الوابل الصيب" إن ما سمعه عبدالله بن عباس عن النبى لم يبلغ 20 " عشرين" حديثًا.

وعن ابن معين والقطان وأبى داود فى السنن أن عبد الله بن عباس روى تسعة أحاديث ومع ذلك فقد أسند له أحمد بن حنبل فى مسنده 1696     ( ألف ستمائة ستة وتسعون) حديثًا.

 

ثالثًا: أبو هريرة عاشر النبى عامًا وتسعة أشهر أى 21 شهرًا وقد روى عنه 5374 ( خمسة آلاف و ثلاثمائة أربعة وسبعون ) حديثًا خرج منها البخارى 446 ( أربعمائة ستة وأربعون )  حديثًا.

وعن عائشة زوج النبى أنها قالت " رحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إجابةً " ( أى رواية ).

 

رابعًا: الترمذى " أبو عيسى محمد بن عيسى" ( 815 ـ 892 م ) هو الذى وضع وصف الحديث بثلاثة أوصاف: صحيح وحسن وضعيف, فهذا الوضع لم يجتمع عليه الأئمة, وإنما هو من وضع رجل فرد من علماء الأمة, يمكن الأخذ به أو الإعتراض عنه أو وضع أوصاف أخرى غيرها.

 

خامسًا: ورد الحديث التالى فى صحيح البخارى, مجلد رقم 3, صفحة 16:

عن ابن الأكوع عن أبيه عن النبى " أيما رجل وإمرأة توافقا فعشرة ما بينهما ثلاث ليال, فإن أحبا أن يزدادا تزايدا أو يتتاركا تتاركا".

وهذا الحديث هو الذى يثبت زواج المتعة أو الزواج المؤقت الذى تأخذ به الشيعة حتى اليوم, فى حين يرى أهل السنة أنه قد نُسخ بحديث آخر للنبى وغريب أن يخرِّج البخارى حديثًا يثبت ما يرى أهل السنة أنه نُسخ, إلا إذا كان قصده من ذلك أن يخرج الأحاديث التى يصح لديه أنها صدرت عن النبى حتى ولو كانت قد نسخت أو كان قصده أن يخالف أهل السنة ويجنح إلى رأى الشيعة فى أن النبى لم ينسخ هذا الحديث وحكمه, وأن وقف أثر الحديث والعمل به كان بفعل من عمر بن الخطاب الذى لايعترف الشيعة بأى حق له فى التشريع أو وقف العمل بحكم ورد فى السنة.

 

وعلى الحالين, فإن هذا الأمر يفتح أبوابًا للبحث, فيما إذا كان البخارى يُخرِّج أحاديث يرى أنها صحت له عن النبى حتى لو لم يكن العمل بها جائزًا أو ممكنًا . وفيما إذا كان زواج المتعة قائمًا ومشروعًا كما ترى الشيعة, أو أنه نُسخ فعلاً بحديث صحيح صدر من النبى نفسه.

 

ويُلاحظ أنه على الرغم من أن الشيعة لاتأخذ بمجاميع الأحاديث التى يقرها أهل السنة, ومنها صحيح البخارى, فإنها عند المحاجَّة مع أهل السنة تركن إلى الحديث المذكور لإثبات شرعية زواج المتعة وإستمراريته حتى الآن.

 

سادسًا: فى دراسة لنا منشورة فى كتاب " إسلاميات وإسرائيليات" ثبت لنا أن أهم حديثين يؤثران فى الفكر الإسلامى, ويصوغان العمل الإسلامى لايوجدان فى أية مجموعة من مجموعات الأحاديث المعترف بها. وهذان الحديثان هما:

" تناكحوا تناسلوا فإنى مباهٍ بكم الأمم يوم القيامة".

" من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه, فإن لم يستطع فبقلبه, وهو أضعف الإيمان".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

تقـديـم

 

من أسوأ الأمور أن يختلط الفكر الدينى والتعبير الشرعى بالموروثات الشعبية ( الفولكلور) والمواضعات الإجتماعية ( التقليدات ) والعبارات الدارجة ( المقوليات , الكليشيهات ), لأن ذلك لامحالة يؤدى إلى خلط وفير واضطراب كثير, حيث يبدو الفكر الدينى كما لو كان موروثًا شعبيًا      ( فولكلور), أو يظهر الموروث الشعبى وكأنه المفهوم الدينى, كما أنه يؤدى إلى أن يلوح التعبير الشرعى وكأنه عبارات دارجة أو تبين العبارات الدارجة وكأنها تعبيرات شرعية, الأمر الذى تضطرب معه المفاهيم وتختلط الأقوال وتهتز القيم, فينحدر المجتمع ـ من ثم ـ إلى هوة سحيقة من الخيال والهذيان الذى لايفرق بين الواقع والوهم, ولايميز بين الحقيقة والإدعاء.

 

وعندما خالطت السياسة الدين وداخلت الحزبية الشريعة حولتهما إلى أيدولوجيا ( مذهبية ) شمولية ( دكتاتورية) , ومعتقدية ( دوجماطيقية) جامدة. وفى إتجاهها إلى الشمولية, ولكى تحتوى على كل شئ وتتضمن أى عنصر وتمتد إلى كل منشط, فقد مزجت فكرها بالموروثات الشعبية    ( الفولكلور), ونسجت سبلها بالمواضعات الإجتماعية, ودمجت نصوصها فى العبارات الدارجة فاختلط الأمر على الناس واضطرب الحال عند الكثيرين وغم الوضع لدى الكافة, ولم يعدّ من السهل, أو من الممكن, أن يحدث تمييز بين الفكر الدينى والموروث الشعبى, بين الوصايا الدينينة والمواضعات الإجتماعية, بين النص الدينى والعبارات الدارجة.

 

ومسألة الحجاب أظهر المسائل فى هذا الوضع, فقد اختلط فيها الفكر الدينى بالموروث الشعبى. وتداخلت فيها الوصايا الدينية بالمواضعات الاجتماعية , فإضطرب كثيرون فى أصل المسألة وحقيقتها, وذهبت جماعات إلى أن " الحجاب فريضة إسلامية" بينما يرى آخرون أن             " الحجاب شعار سياسى".

 

وهذا الكتاب اتجاه لبيان المسائل وجلاء الحقائق فى شأن ما يُسمى بالحجاب.

 

وكنا قد كتبنا أول فصل فيه " الحجاب فى الإسلام" منذ أكثر من عامين, بناء على طلب من إحدى الجمعيات النسائية فى مصر, ولما وزعت هذه الجمعية صورًا كثيرة من البحث, ذاع وانتشر, فرؤى أن الأوفق فى ذلك هو نشره, حتى يعم الذيوع والانتشار ولكى ياتحق البحث بأصله, فلا ينسبه لنفسه أحد.

 

ونُشِر هذا البحث فعلاً فى مجلة " روزاليوسف" المصرية, فرد علينا فضيلة مفتى الجمهورية ( شيخ الأزهر حالاً ), ونُشِر رد فضيلته وردنا على الرد فى عدد تالٍ من هذه المجلة, وصدرت بعد ذلك فتوى من لجنة الفتوى بالأزهر فرددنا عليها وفندناها فى بحث نشر فى عدد تالٍ. وإذا كانت مسألة " الحجاب" تدور أساسًا حول ما إذا كان شعر المرأة عورة أم لا. فقد حررنا بحثًا فى هذه المسألة ونشر فى المجلة ذاتها كذلك.

 

وكان فضيلة المفتى ـ فى رده علينا ـ قد أنكر وجود ما يُسمى بـ " الإسلام السياسى" مع أن هذا التعبير معروف ومنتشر فى كافة أنحاء العالم, ومنها مصر, دلالة على الجماعات التى تخلط الإسلام بالسياسة. وتحول الدين إلى أيديولوجيا, لذلك كان من تمام البحث أن نتصدى لموضوع     " الإسلام السياسى" أو الأيديولوجيا الإسلامية ـ ببحث خاص نُشر مستقلاً.

 

والبحث, أو الحديث عن مسألة " الحجاب " لابد أن يعرج أحاديث ( أو سنة ) النبى لإبتناء فكرة وجوب الحجاب على حديث من هذه الأحاديث . لهذا كان من الأوفق تخصيص دراسة مستقلة عن حجية أحاديث النبى ربما كان من الملائم أن تنشر مع موضوع " الحجاب".

 

وهكذا, فإن هذا الكتاب ينقسم إلى قسمين: ( أولهما ) عن حقيقة " الحجاب" , ويتضمن البحوث التى نشرت فى مجلة " روزاليوسف" المصرية, والمنوه عنها فيما سلف, ( وثانيهما ) عن حجية الحديث ( سنة النبى ).

 

والمرجو أن يكون هذا الكتاب إسهامًا فى إلقاء الضوء على مسألة " الحجاب" وما يتصل بها أو يترابط معها من أمور دينية, منها حديث ( أو سنة ) النبى بأقسامها وحجيتها.

                                                                       واله ولى التوفيق.

                                                                                                                                             القاهرة فى 8 أكتوبر 1994.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

القسم الأول

حقيقة الحجاب

 

(1)        الحجاب فى الإسلام

 

نُشر هذا البحث فى مجلة روزاليوسف المصرية , العدد رقم 3444 بتاريخ 13/6/1994.

 

مسألة حجاب النساء أصبحت تفرض نفسها على العقل الإسلامى, وعلى العقل غير الإسلامى, بعد أن ركزت عليها بعض الجماعات. واعتبرت أن حجاب النساء فريضة إسلامية, وقال البعض إنها فرض عين, أى فرض دينى لازم على كل إمرأة وفتاة بالغة, ونتج عن ذلك اتهام من لاتحتجب ـ بالطريقة التى تفرضها هذه الجماعات ـ بالخروج عن الدين والمروق من الشريعة. بما يستوجب العقاب الذى قد يُعد أحيانًا عقابًا عن الإلحاد, ( أى الإعدام ) , هذا فضلاً عن إلتزام بعض النساء والفتيات ارتداء ما يقال إنه حجاب فى بلاد غير إسلامية, وفى ظروف ترى فيما هذه البلاد أن هذا الحجاب شعار سياسى وليس فرضًا دينيًا, مما يحدث مصادمات بين المسلمين وغير المسلمين, كما أحدث منازعات بين المسلمين أنفسهم.

 

فماهى حقيقة الحجاب؟.

وما المقصود به؟.

وما الأساس الدينى الذى يستند إليه من أنه فريضة إسلامية؟.

ولماذا يرى البعض أنه ليس فرضَا دينيًا, وإنما مجرد شعار سياسى؟.

 

بيان ذلك يقتضى تتبع الآيات القرآنية التى يستند إليها أنصار " الحجاب" لاستجلاء حقيقتها, واستقصاء الغرض منها, ثم بيان الحديث النبوى فى ذلك وتتبع مفهومه ونطاقه, ثم عرض أسلوب الإسلام فى تنفيذ أحكامه.

 

أولاً: آية الحجاب:

الحجاب لغة هو الساتر, وحجب الشئ أى ستره, وإمرأة محجوبة أى إمرأة قد سترت بستر [ لسان العرب, المعجم الوسيط: مادة حجب].

والآية القرآنية التى وردت عن حجاب النساء تتعلق بزوجات النبى وحدهن, وتعنى وضع ساتر بينهن وبين المؤمنين.

{ يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه, ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلك كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لايستحى من الحق وإذا سألتموهن ( أى نساء النبى ) متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهم وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا } [ الأحزاب 33: 53].

 

هذه الآية تتضمن ثلاثة أحكام:

الأول  : عن تصرف المؤمنين عندما يدعون إلى الطعام عند النبى.

الثانى : عن وضع الحجاب بين زوجات النبى والمؤمنين.

الثالث:  عن عدم زواج المؤمنين بزوجات النبى بعد وفاته.

 

وقيل فى أسباب نزول الحكم الأول من الآية { تصرف المؤمنين عندما يدعون إلى الطعام عند النبى }, إنه لما تزوج " زينب بنت جحش" إمرأة زيد اَوْلَم عليها, فدعا الناس, فلما طعموا جلس طوائف منهم يتحدثون فى بيت النبى, وزجه " زينب" مولية وجهها إلى الحائط, فثقلوا على النبى , ومن ثم نزلت الآية تنصح المؤمنين ألا يدخلوا بيت النبى إذا ما دعوا إلى طعام إلا بعد أن ينضج هذا الطعام, فإذا أكلوا فلينصرفوا دون أن يجلسوا طويلاً يتحدثون ويتسامرون. [ تفسير القرطبى ـ طبعة دار الشعب ـ ص 5306].

 

وقيل فى أسباب نزول الحكم الثانى من الآية ( والخاص بوضع حجاب بين زوجات النبى والمؤمنين) , إن عمر بن الخطاب قال للنبى: " يا رسول الله, إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر, فلو أمرتهن أن يحتجبن ". فنزلت الآية. وقيل إنه إثر ما حدث عند زواج النبى بزينب بنت جحش نزلت الآية بأحكامها ( الثلاثة ) تبين للمؤمنين التصرف الصحيح عندما يدعون إلى طعام فى بيت النبى, وتضع الحجاب بين زوجات النبى والمؤمنين, وتنهى عن الزواج بزوجاته بعد وفاته ( المرجع السابق ), ولاشئ يمنع من قيام السببين معًا.

 

فالقصد من الآية أن يوضع ستر بين زوجات النبى وبين المؤمنين, بحيث إذا أراد أحد من هؤلاء أن يتحدث مع واحدة من أولئك ـ أو يطلب منها طلبًا ـ أن يفعل ذلك وبينهما ساتر, فلايرى أى منهما الآخر, لا وجهه ولا جسده ولا أى شئ منه.

 

هذا الحجاب ( بمعنى الساتر ) خاص بزوجات النبى وحدهن, فلا يمتد إلى ما ملكت يمينه ( من الجوارى ) ولا إلى بناته, ولا إلى باقى المؤمنات, وفى ذلك يروى عن أنس بن مالك أن النبى أقام بين خيبر والمدينة ثلاثًا ( من الأيام ) يبنى عليه ( أى يتزوج ) بصفية بنت حُيى, فقال المؤمنون إن حجبها فهى من أمهات المؤمنين ( أى من زوجاته ) وإن لم يحجبها فهى مما ملكت يمينه ( أى من جواريه ) ... فلما ارتحل وطأ " أى مهد" لها خلفه ومد الحجاب ( أى وضع سترًا ) بينها وبين الناس. ( بذلك فهم المؤمنون أنها زوج له وأنها من أمهات المؤمنين وليست مجرد جارية) , ( أخرجه البخارى ومسلم ).

 

ثانيًا: آية الخمار:

أما آية الخمار فهى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } [ سورة النور 24: 31].

 

وسبب نزول هذه الآية أن النساء كن فى زمان النبى يغطين رؤوسهن بالأخمرة ( وهى المقانع ) ويسدلها من وراء الظهر, فيبقى النحر ( أعلى الصدر ) والعنق لاستر لهما, فأمرت الآية بلى ( أى إسدال ) المؤمنات للخمار على الجيوب, فتضرب الواحدة منهن بخكارها على جيبها ( أعلى الجلباب ) لستر صدرها. [ تفسير القرطبى ـ طبعة دار الشعب ـ ص 4622 ].

 

فعلة الحكم فى هذه الآية هى تعديل عرف كان قائمًا وقت نزولها, حيث كانت النساء يضعن أخمرة ( أغطية ) على رؤوسهن ثم يسدلن الخمار وراء ظهورهن فيبرز الصدر بذلك, ومن ثم قصدت الآية تغطية الصدر بدلاً من كشفه, ون أن تقصد إلى وضع زى بعينه.

 

وقد تكون علة الحكم فى هذه الآية ( على الراجح ) هى إحداث تمييز بين المؤمنات من النساء وغير المؤمنات ( اللاتى كن يكشفن عن    صدورهن ), والأمر فى ذلك شبيه بالحديث النبوى الموجه للرجال ( احفوا الشوارب وأطلقوا اللحى ) وهو حديث يكاد يجمع كثير من الفقهاء على أن القصد منه قصد وقتى, هو التمييز بين المؤمنين وغير المؤمنين ( الذين كانوا يفعلون العكس فيطلقون الشوارب ويحفون اللحى ).

 

فالواضح من السياق ـ فى الآية السالفة والحديث السابق ـ أن القصد الحقيقى منهما هو وضع فارق أو علامة واضحة بين المؤمنين والمؤمنات وغير المؤمنين وغير المؤمنات. ومعنى ذلك أن الحكم فى كل أمر حكم وقتى يتعلق بالعصر الذى أريد فيه وضع التمييز وليس حكمًا مؤبدًا          ( و سَيَلِى بَيَان أوْفى  فى ذلك ).

 

ثالثًا : آية الجلابيب:

أما آية الجلاليب فنصها كالآتى:

{ يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلاليبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين } [ سورة الأحزاب 33: 95].

 

وسبب نزول هذه الآية أن عادة العربيات ( وقت التنزيل ) كانت التبذل, فكن يكشفن وجوههن كما يفعل الإماء ( الجوارى ). وإذ كن يتبرزن فى الصحراء قبل أن تتخذ الكُنف ( دورات المياه ) فى البيوت, فقد كان بعض الفجار من الرجال يتعرضون للمؤمنات على مظنة أنهن من الجوارى أو من غير العفيفات, وقد شكون ذلك للنبى ومن ثم نزلت الآية لتضع فارقًا وتمييزًا بين " الحرائر" من امؤمنات وبين الإماء وغير العفيفات هو إدناء المؤمنات لجلابيبهن, حتى يُعرفن فلا يؤذين بالقول من فاجر يتتبع النساء دون أن يستطيع التمييز بين الحرة والجارية أو غير العفيفة.        [ المرجع السابق ص 5325 , 5326 ].

 

فعلَّة الحكم فى هذه الآية أو القصد من إدناء الجلابيب أن تعرف الحرائر من الإماء والعفيفات من غير العفيفات, حتى لا يختلط الأمر بينهن ويُعرَفن, فلا تتعرض الحرائر للإيذاء وتنقطع الأطماع عنهن, والدليل على ذلك أن عمر بن الخطاب كان إذا رأى أمة قد تقنعت أو أدنت جلبابها عليها, ضربها بالدرة محافظة على زى الحرائر [ ابن تيمية ـ حجاب المرأة ولباسها فى الصلاة ـ تحقيق محمد ناصر الدين الألبانى ـ المكتب الإسلامى ص 37].

 

وقد اختلف الفقهاء فى معنى إدناء الجلابيب على تفصيل لا محل له, والأرجح أن المقصود به ألا يظهر جسد المرأة.

 

وإذا كانت القاعدة فى علم أصول الفقه أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا, فإن وُجِد الحكم وُجِدَت العلة, وإذا انتفت العلة انتفى ( أى رُفِع ) الحكم, إذ كانت القاعدة كذلك, فإن علة الحكم المذكور فى الآية ـ وهى التمييز بين الحرائر والإماء ـ قد انتفت لعدم وجود إماء " جوارى" فى العصر الحالى, وانتفاء ضرورة قيام تمييز بينهما, ولعدم خروج المؤمنات إلى الخلاء للتبرز وإيذاء الرجال لهن, ونتيجة لانتفاء علة الحكم فإن الحكم نفسه ينتفى ( أى يرتفع ) فلا يكون واجب التطبيق شرعًا.

 

حديث النبى ( ص):

واضح مما سلف أن الآيات المشار إليها لاتفيد وجود حكم قطعى بارتداء المؤمنات زيًا معينًا على الإطلاق وفى كل العصور, ولو أن آية من الآيات الثلاث الآنف ذكرها تفيد هذا المعنى ـ على سبيل القطع واليقين ـ لما كانت هناك ضرورة للنص على الحكم نفسه مرة أخرى فى آية أخرى, فتعدد الآيات يفيد أن لكل منها قصدًا خاصًا وغرضًا معينًا يختلف عن غيره, لأن المشرع العادى منزه عن التكرار واللغو فما البال بالشارع الأعظم؟!.

 

ومن أجل ذلك, فقد روى حديثان عن النبى يستند إليهما فى فرض غطاء الرأس ( الذى يسمى خطأ الحجاب ) فقد رُوى عن عائشة عن النبى أنه قال: { لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت ( بلغت ) أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا } وقبض على نصف الذراع. ورُوى عن أبى داود عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله فقال لها :{ يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى فيها إلا هذا, وأشار إلى وجهه وكفيه}.

 

ويُلاحظ على هذين الحديثين أنهما من أحاديث الآحاد لا الأحاديث المجمع عليها, أى المتواترة أو الأحاديث المشهورة, وفى التقدير الصحيح أن أحاديث الآحاد أحاديث للإسترشاد والاستئناس, لكنها لا تنشئ ولا تلغى حكمًا شرعيًا, ومن جانب آخر, فإنه رغم رواية الحديثين عن واحدة ـ هى عائشة زوج النبى ـ فإنه قد وقع تناقض بينهما, ففى الحديث الأول قيل إن النبى قبض على نصف ذراعه عندما قال الحديث, بما يفيد أن الجائز للمؤمنة البالغة أن تُظهر وجهها ونصف ذراعها ( بما فى ذلك الكفين ) بينما قصر الحديث الثانى الإجازة على الوجه والكفين وحدهما ( دون نصف الذراع ), ومن جانب ثالث, فقد ورد الحديث الأول بصيغة الحلال والحرام, بينما جاء الحديث الثانى بصيغة الصلاح " لايصلح للمرأة إلا كذا" , وفارق ما بين الإثنين كبير, ذلك أن الحلال والحرام يدخل فى نطاق الحكم الشرعى, فى حين أن " الصلاح" يتعلق بالأفضل والأصلح فى ظروف اجتماعية معينة.

 

ومع هذا الاختلاف البين بين الحديثين, فإنهما يثيران مسألة وقتية الأحكام, أى تأقيت الحكم فى حديث شريف معين, بوقت بذاته وعصر محدد, ذلك أن بعض الفقهاء يرى أنه فيما صدر عن النبى حتى من تشريعات ـ ما يفيد أنه تشريع زمنى ـ روعيت فيه ظروف العصر. فقد يأمر النبى بالشئ أو ينهى عنه فى حالة خاصة لسبب خاص, فيفهم الصحابة ( أو الناس) أنه حكم مؤبد بينما هو فى الحقيقة حكم وقتى.

 

وقد كان لعدم الفصل بين النوعين من الأحكام: المؤبد والوقتى أثر كبير فى الخلاف بين الفقهاء. فقد يرى بعضهم حكمًا للرسول يظن أنه شرع عام أبدى لا يتغير بينما يراه الآخر صادرًا عنه لعلة وقتية, وأنه حكم جاء لمصلحة خاصة قد تتغير على الأيام ( عبد الوهاب خلاف ـ مصادر التشريع مرنة ـ مجلة القانون والاقتصاد ـ عدد أبريل / مايو سنة 1944 ص 359, و محمد مصطفى شلبى ـ تعليل الأحكام ـ طبعة سنة 1949, ص 28).

 

وأخذًا بهذا النظر, فإن جاء فى الحديثين المنوه عنهما, وخاصة ذلك الحديث الذى ورد بلفظ " الصلاح" , أقرب إلى أن يكون حكمًا وقتيًا يتعلق بظروف العصر وليس حكمًا مؤبدًا بحال من الأحوال, يؤيد هذا النظر ما أنف شرحه من أن آية الخمار قد قصدت تعديل عرف جار والتمييزـ غالبًا ـ بين المؤمنات وغير المؤمنات, كما أن آية الجلابيب قد قصدت التمييز بين الحرائر والإماء أو بينهن ( أى الحرائر العفيفات) وبين غير العفيفات.

 

أسلوب القرآن فى تنفيذ الأحكام:

ومهما يكن الرأى, فإن أسلوب القرآن ونهج الإسلام هو عدم الإكراه على تنفيذ أى حكم من أحكامه, حتى أحكام الحدود ( العقوبات) , وأنما يكون التنفيذ دائمًا بالقدوة الحسنة والنصيحة اللطيفة والتواصى المحمود.

 

ففى القرآن: { لا إكراه فى الدين } [ سورة البقرة 256] . وإذا كان الأصل أن لا إكراه فى الدين ذاته, فلا إكراه ـ من باب أولى ـ فى تطبيق أى حكم من أحكامه أو تنفيذ أى فريضة من فرائضه, أنما تكون نتيجة عدم التطبيق وعدم التنفيذ إثمًا دينيًا, وهو أمر يتصل بالعلاقة بين الإنسان وربه, وحتى فى الحدود فإن القاعدة فيها أن لا حد على تائب, ومعنى ذلك أن الحد لا يقام على من يُعلن التوبة وإنما يُقام على من يرفض ذلك ويصر على توقيع العقوبات عليه. وفى تصرف النبى إثر رجم أحد الزناة ما يفيد أنه إذا أراد الجانى أن يفر من تطبيق العقوبة فعلى الجماعة        ( المجتمع ) أن تمكنه من ذلك, أى أن الحدود لا تقام إلا بإرادة الجانى, وبقصد تطهيره إن رغب هو فى التطهر.

 

فإذا كان ذلك هو الأساس فى الإسلام, والقاعدة فى القرآن, فإنه لا يجوز إكراه أى امرأة أو فتاة على ارتداء زى معين, سواء كان الإكراه ماديًا باستعمال العنف أم كان معنويًا بالتهديد بالعنف أو الإتهام بالكفر, ويكون المكره فى هذه الحالة آثمًا لاتباعه غير سبيل الإسلام, وانتهاجه غير نهج القرآن.

 

وقد كان من نتيجة الإكراه, والتلويح بالإكراه, على تغطية النساء رؤوسهن بغطاء يُسمى خطأ بالحجاب ( مع أن الحجاب شئ آخر كما سلف البيان ) كان من نتيجة ذلك أن وُضعت بعضهن هذا الغطاء رياء و رءاء, وأحيانًا أخرى مع وضع الأصباغ والمساحيق على الوجه بصورة تتنافى مع معنى الحجاب, وقد يحدث مع ارتداء ما يسمى بالحجاب أن تقف به سيدة أو فتاة فى المراقص العامة أو النوادى الليلية وهى تخاصر رجلاً أو فتى تراقصه على الملأ, أو قد تسير أو تجلي معه فى طريق مظلم أو مكان موحش دون وجود أى محرم.

 

إن الحجاب الحقيقى هو منع النفس عن الشهوات وحجب الذات عن الآثام, دون أن يرتبط ذلك بزى معين أو بلباس خاص, غير أن الاحتشام و عدم التبرج فى الملبس و المظهر أمر مطلوب يقره كل عاقل و تتمسك به أى عفيفة.

 

الخلاصة:

يُخلص من ذلك:

*   الحجاب يعنى وضع ساتر معين, وهو فى القرآن يتعلق بوضع ستر بين زوجات النبى ـ وحدهن ـ وبين المؤمنين, بحيث لا يرى المؤمن من يتحدث إليها من أمهات المؤمنين ولا هى تراه.

*   الخمار كان وقت التنزيل عرفًا تضع النساء بمقتضاه مقانع ( أغطية ) على رؤوسهن ويرسلنها وراء ظهورهن فتبدو صدورهن عارية, ومن ثم فقد نزل القرآن بتعديل هذا العرف بحيث تضرب المؤمنات بالخمار على جيوبهن ليخفين صدورهن العارية ويتميزن بذلك من غير المؤمنات.

*   إدناء الجلابيب كان أمرًا بقصد التمييز بين النساء المؤمنات الحرائر وبين الإماء منهن أو بين العفيفات وغير العفيفات, وإذا انتفت علة هذا التمييز لعدم وجود إماء فى الوقت الحاضر فإنه لم يعد ثم محل لتطبيق الحكم.

*   حديث النبى عن الحجاب ( بالمفهوم الدارج حالاً) هو من أحاديث الأحاد التى يسترشد ويستأنس بها, وهو أدنى إلى أن يكون أمرًا مقتيًا يتعلق بظروف العصر لتمييز المؤمنات عن غيرهن, أما الحكم الدائم فهو الإحتشام وعدم التبرج.

 

 

    الحجاب دعوى سياسية:

الحجاب ـ بالمفهوم الدارج حالاً ـ شعار سياسى وليس فرضًا دينيًا ورد على سبيل الجزم والقطع واليقين والدوام, فى القرآن الكريم أو فى السنة النبوية. لقد فرضته جماعات الإسلام السياسى ـ أصلاً ـ لتميز بعض السيدات والفتيات المنضويات تحت لوائهم عن غيرهن من المسلمات وغير المسلمات, ثم تمسكت هذه الجماعات به كشعار لها, وأفرغت عليه صبغة دينية, كما تفعل بالنسبة للبس الرجال للجلباب أو الزى الهندى و        " الباكستانى", زعمًا بأنه زى إسلامى, وهذه الجماعات ـ فى واقع الأمر ـ تتمسك بالظواهر دون أن تتعلق بالجواهر, وتهتم بالتوافه من المسائل والهوامش من الأمور, ولا تنفذ إلى لب الحقائق وصميم الخلق و أصل الضمير, وقد سعت هذه الجماعات إلى فرض ما يسمى بالحجاب ـ بالإكراه والإعنات ـ على نساء وفتيات المجتمع كشارة يظهرون بها انتشار نفوذهم وامتداد نشاطهم وازدياد أتباعهم, دون الاهتمام بأن يعبر المظهر عن الجوهر, وأن تكون هذه الشارة معنى حقيقيًا للعفة و الاحتشام وعدم التبرج.

 

وقد ساعدهم على انتشار ما يسمى بالحجاب بعض عوامل منها عامل اقتصادى هو ارتفاع أسعار تجميل الشعر وتصفيفه, وازديادها عن مستوى قدرة أغلب الناس. والدليل على أن للعامل الاقتصادى أثرًا فى انتشار ما يسمى بالحجاب, أن هذا العامل ذاته هو الذى يدفع كثيرًا من النساء والفتيات إلى العمل ـ فى الغالب ـ للحصول على موارد مالية أو لزيادة إيراد الأسرة مع أن جماعات الإسلام السياسى تدعى أن عمل المرأة حرام. فالعامل الاقتصادى ـ فى غالب الأحيان ـ هو الذى دفع المرأة إلى العمل رغم الزعم بتحريمه, وهو الذى دفع كثيرًا من النساء والفتيات إلى وضع غطاء للرأس, وإن كان مزركشًا وخليعًا, كأنما الشعر وحده هو العورة لابد أن تستر ثم تكون بعد ذلك غطاء لأى تجاوز أو فجور.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

( 2) بل الحجاب فريضة إسلامية

لفضيلة الدكتور

" محمد سيد طنطاوى"

مفتى الجمهورية

 

نُشر هذا الرد فى مجلة "روزاليوسف" المصرية, العدد رقم 3446 بتاريخ 27/6/1994.

 

1ـ كتب سيادة الأستاذ المستشار سعيد العشماوى, مقالاً عنوانه: " الحجاب ليس فريضة إسلامية" بمجلة " روزاليوسف" العدد 3444 بتاريخ 4 من المحرم سنة 1415 هـ الموافق 13 يونيو 1994م بدأه سيادته بقوله: " مسألة حجاب النساء, أصبحت تفرض نفسها على العقل الإسلامى, وعلى العقل غير الإسلامى بعد أن ركزت عليها بعض الجماعات, واعتبرت أن حجاب النساء فريضة إسلامية, وقال البعض: إنها فرض عين .. إلخ".

 

ثم استشهد سيادته بعد ذلك على ما ذخب إليه, من أن الحجاب ليس فريضة إسلامية, ببعض الآيات القرآنية فقال: " أولاً : آية الحجاب, والحجاب لغة الساتر, وحجب الشئ أى : ستره, وامرأة محجوبة, أى امرأة قد سُتِرَتْ بستر".

 

" والآية القرآنية التى وردت عن حجاب النساء, تتعلق بزوجات النبى وحدهن, وتعنى وضع ساتر بينهن وبين المؤمنين: { يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوت النبى إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحى منكم والله لايستحى من الحق وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن .. } [ الآية 53 من سورة الأحزاب ].

 

وبعد أن ذكر سيادته أن هذه الآية تتضمن ثلاثة أحكام قال ما نصه: " فالقصد من الآية أن يوضع ستر بين زوجات النبى وبين المؤمنين, بحيث إذا أراد أحد من هؤلاء أن يتحدث مع واحدة من أولئك ـ أو يطلب منها طلبًا ـ أن يفعل ذلك وبينهما ساتر, فلايرى أى منهما الآخر, لا وجهه ولا جسده ولا أى شئ منه. هذا الحجاب بمعنى الساتر خاص بزوجات النبى وحدهن, فلا يمتد إلى ما ملكت يمينه ( من الجوارى ) ولا إلى بناته, ولا إلى باقى المؤمنات, ... إلخ".

 

2 ـ والذى أراه أن تخصيص هذا الحجاب بزوجات النبى وحدهن كما يرى سيادته ليس صحيحًا لأن حكم نساء المؤمنين فى ذلك, كحكم زواج النبى, لأن المسألة تتعلق بحكم شرعى يدعو إلى مكارم الأخلاق, وما كان كذلك لا مجال معه للتخصيص, ولأن قوله ـ تعالى ـ : { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } علَّة عامة, تدل عل تعميم الحكم, إذ جميع الرجال والنساء فى كل زمان ومكان فى حاجة إلى ما هو أطهر للقلوب وأعف للنفوس.

 

ولذا قال بعض العلماء: قوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم, إذ لم يقل أحد من العقلاء, إن غير أزواج النبى لاحاجة بهن إلى أطهرية قلوبهن, وقلوب الرجال من الريبة منهن.

 

فالجملة الكريمة فيها الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب, حكم عام فى جميع النساء, وليس خاصًا بأمهات المؤمنين, وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن, لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه. [ تفسير أضواء البيان ج 6 ص 46] وفضلاً عن كل ذلك, فإن الإمام القرطبى ـ الذى جعله سيادته مرجعًا له فى معظم مقاله ـ قد صرح بذلك عند تفسيره للآية ذاتها فقال :" المسألة التاسعة: فى هذه الآية دليل على أن الله أذن فى مسألتهن من وراء حجاب, فى حاجة تعرض, أو مسألة يُستفتين فيها, ويدخل فى ذلك جميع النساء بالمعنى, وبما تضمنته أصول الشريعة"        [ تفسير القرطبى ص 14, ص227, طبعة وزارة الثقافة 167] والخلاصة : أن تخصيص الحجاب فى هذه الآية الكريمة بأزواج النبى غير صحيح, ولا دليل عليه لا من النقل ولا من العقل.

 

3ـ ثم قال سيادته: " ثانيًا : آية الخمار. أما آية الخمار فهى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } [ سورة النور 24: 31]. وسبب نزول هذه الآية, ومعنى قوله ـ سبحانه ـ " وليضربن بخمرهن على جيوبهن" وأن معناه: يغطين رؤوسهن بالأخمرة ـ وهى المقانع ـ ويسدلنها من وراء الظهر, فأمرت الآية بستر العنق والصدر, بعد كل ذلك قال سيادته:

 

" فعلة الحكم فى هذه الآية, هى تعديل كان قائمًا وقت نزولها, حيث كانت النساء يضعن أخمرة على رؤوسهن , ثم يسدلن الخمار وراء ظهورهن, فيبرز الصدر بذلك, ومن ثم قصدت الآية تغطية الصدر بدلاً من كشفه, دون أن تقصد إلى وضع زى بعينه ..".

 

4ـ وتعليقى على هذا القول أن سيادته استشهد على ما يريده بالجملة الأخيرة مما ذكره من الآية الكريمة, وترك تفسير ما قبلها وما بعدها, مع أن محل الشاهد على الحجاب هو قوله ـ تعالى ـ قبل هذه الجملة مباشرة : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }.

 

ومعنى الآية الكريمة إجمالاً: وقل ـ أيها الرسول الكريم ـ للمؤمنات ـ أيضًا ـ بأن من الواجب عليهن, أن يغضضن أبصارهن عن النظر إلى ما لايحل لهن, وأن يحفظن فروجهن من كل ما نهى الله ـ تعالى ـ عنه, ولا يظهرن شيئًا من زينتهن سوى الوجه والكفين لغير أزواجهن أو محارمهن .. فحمل الشاهد على الحجاب ـ وعلى أن المرأة البالغة لا يجوز لها شرعًا أن تظهر شيئًا من زينتها, سوى الوجه والكفين ـ لغير زوجها أو محارمها ـ هو قوله ـ تعالى ـ : { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }.

 

و الإمام القرطبى الذى استشهد سيادته ببعض كلامه هنا, قد فسر هذه الآية فى ثلاث عشرة صفحة, وساق خلال خلال تفسيره لها ثلاثًا وعشرين مسألة, وقال فى المسألة الثالثة: " أمر الله النساء بألا يبدين زينتهن للناظرين, إلا ما استثناه من الناظرين فى باقية الآية, حذرًا من الافتنان, ثم استثنى ما يظهر من الزينة, واختلف الناس فى قدر ذلك .. فقال سعيد بن جبير وعطاء والأوزاعى : الوجه والكفان ...

 

ثم قال : ولما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة , وذلك فى الصلاة والحج, فيصلح أن يكون الإستثناء ـ فى قوله ـ تعالى:      { إلا ما ظهر منها }, راجعًا إليهما, يدل ذلك على ما رواه أبو داود عن عائشة: " أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها رسول الله وقال لها: يا أسماء, إن المرأة إذا بلغت المحيض ل صرى منها إلا هذا, وأشار إلى وجهه وكفيه. فهذا أقوى فى جانب الاحتياط, ولمراعاة فساد الزمان, فلا تبدى المرأة من زينتها إلا ما ظهر من وجهها وكفيها".  [  راجع تفسير القرطبى,ج 12 ص 226 وما بعدها ].

 

والخلاصة: أن قوله ـ تعالى ـ :{ وليضربن بخمرهن على جيوبهن } هو بيان لكيفية إخفاء بعض مواضع الزينة بالنسبة للمرأة, بعد النهى عن إبدائها فى قوله ـ تعالى ـ قبل ذلك: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }. والمعنى: وعلى النساء المؤمنات ألا يظهرن شيئًا من زينتهن سوى الوجه والكفين. وعليهن كذلك أن يسترن رؤوسهن وأعناقهن وصدورهن بخمرهن, حتى لا يطلع أحد من الأجانب على شئ من ذلك, فالآية الكريمة بكاملها, من أصرح الآيات القرآنية فى الأمر بالتستر والاحتشام بالنسبة للنساء, وفى النهى عن إبداء شئ من زينتهن سوى الوجه والكفين.

 

5 ـ ثم قال سيادته: " أما آية الجلاليب فنصها كالآتى: { يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلاليبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين } [ سورة الأحزاب 33: 59]".

 

وبعد أن ذكر سيادته سبب نزول الآية, ومن أنها نزلت لتضع فارقًا و تمييزًا بين الحرائر والإماء, قال: " فعلَّة الحكم فى هذه الآية أو القصد من إدناء الجلابيب ـ وهى الأثواب التى تستر جميع البدن ـ أن تعرف الحرائر من الإماء والعفيفات من غير العفيفات, حتى لا يختلط الأمر بينهن ويُعرَفن, فلا تتعرض الحرائر للإيذاء وتنقطع الأطماع عنهن , ...".

 

ثم قال سيادته: " وإذا كانت القاعدة فى علم أصول الفقه أن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا, فإن وُجِد الحكم وُجِدَت العلة, وإذا انتفت العلة انتفى ( أى رُفِع ) الحكم, إذ كانت القاعدة كذلك, فإن علة الحكم المذكور فى الآية ـ وهى التمييز بين الحرائر والإماء ـ قد انتفت لعدم وجود إماء " جوارى" فى العصر الحالى, وانتفاء ضرورة قيام تمييز بينهما .... ونتيجة لانتفاء علة الحكم فإن الحكم نفسه ينتفى ( أى يرتفع ) فلا يكون واجب التطبيق شرعًا".

 

6 ـ والذى أراه أن تفسير الآية الكريمة بهذه الصورة التى ذكرها سيادته, والنتائج التى استخلصها, بعيد عن الصواب, لأن الآية الكريمة واضحة فإنها تأمر النبى بأن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين بالتزام الاحتشام والتستر فى جميع أحوالهن ..

 

وقوله سبحانه:  { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين } بيان للحكمة من الأمر بالتستر والاحتشام, أى ذلك التستر والاحتشام والإدناء عليهن من جلابيبهن الساترة لأجسامهن, يجعلهن أدنى وأقرب إلى أن يُعرَفن عن غيرهن من الإماء, فلا يؤذين من جهة من فى قلوبهم مرض.

 

وقد جرت العادة أن الإماء أو الخدم بطبيعتهن يكثر خروجهن وترددهن على الأسواق وغيرها, نظرًا لحاجتهن إلى ذلك بخلاف غيرهن من النساء.

 

ومع ذلك فالمحققون من المفسرين, يرون أن المراد بنساء المؤمنين هنا ما يشمل الحرائر والإماء, وأن الأمر بالتستر يشمل الجميع, فقد قال الإمام أبو حيان فى [ تفسيره البحر المحيط ج7 , ص 250]: " والظاهر أن قوله { ونساء المؤمنين } يشمل الحرائر والإماء, والفتنة, بالإماء أكثر, لكثرة تصرفهن, بخلاف الحرائر, فيحتاج إخراجهن ـ أى الإماء ـ من عموم النساء إلى دليل واضح, ولا دليل هنا ..".

 

وهذا الذى ذكره الإمام أبو حيان هنا من أن المراد بنساء المؤمنين , ما يشمل الحرائر والإماء, هو الذى تطمئن إليه النفس, ويرتاح له العقل, لأن التستر التام مطلوب لجميع النساء, لافرق فى ذلك بين امرأة وأخرى, سواء أكانت مخدومة أم خادمة.

 

والخلاصة: أن ما ذهب إليه سيادته من تفسير للآية, ومن استشهاد بعلم أصول الفقه, لانرى محلاً له, لأن الآية واضحة الدلالة فى أمر النبى بأن يأمر زوجاته وبناته وسائر نساء المؤمنين, بالتستر والاحتشام, لأن ذلك أدعى لصيانتهن, من أن تمتد إليهن عيون المنافقين بالسوء.

 

7 ـ ثم قال سيادته ـ بعد أن ذكر حديثين عن السيدة عائشة ـ :" ويُلاحظ على هذين الحديثين أنهما من أحاديث الآحاد لا الأحاديث المجمع عليها, أى المتواترة أو الأحاديث المشهورة, وفى التقدير الصحيح أن أحاديث الآحاد أحاديث للإسترشاد والاستئناس, لكنها لا تنشئ ولا تلغى حكمًا شرعيًا ..."

 

8 ـ وأقول: بل التقدير الصحيح أن أحاديث الآحاد, حجة يجب اتباعها والعمل بها.

وفضيلت الأستاذ الشيخ عبد الوهاب خلاف الذى استشهد به سيادته هنا, هو القائل فى كتابه [ علم أصول الفقه ص 43 ـ طبعة دار القلم بالكويت] : " وكل سُنَّة من أقسام السنن الثلاث: المتواترة, والمشهورة, وسنن الآحاد, حجة واجب اتباعها والعمل بها. أما المتواترة, فلأنها مقطوع بصدورها وورودها عن رسول الله, وأما المشهورة أو سنة الآحاد, بما توافر فى الرواة من العدالة وتمام الضبط والإتقان, ورجحان الظن كافٍ فى وجوب العمل ..".

 

وبناءٍ على كل ذلك يجب العمل بالحديثين اللذين وردا عن السيدة عائشة وأولهما تقول فيه :" قال رسول الله : لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر, إذا عركت ـ أى بلغت ـ أن تُظهر إلا وجهها ويديها هاهنا".

 

والثانى تقول فيه:" إن اسماء بنت أبى بكر, دخلت على رسول الله وعليها ثياب رقاق, فقال لها: يا أسماء: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى فيها إلا هذا, وأشار إلى وجهه وكفيه".

 

والخلاصة: إن أحاديث الآحاد يجب اتباعها والعمل بها, ولا مجال هنا لتفصيل القول فى ذلك.

 

9 ـ ثم قال سيادت: " ومهما يكن الرأى, فإن أسلوب القرآن ونهج الإسلام هو عدم الإكراه على تنفيذ أى حكم من أحكامه, حتى أحكام الحدود     ( العقوبات) , وأنما يكون التنفيذ دائمًا بالقدوة الحسنة والنصيحة اللطيفة والتواصى المحمود ...".

 

ثم قال سيادته: " الحجاب ـ بالمفهوم الدارج حالاً ـ شعار سياسى وليس فرضًا دينيًا ورد على سبيل الجزم والقطع واليقين والدوام, فى القرآن الكريم أو فى السنة النبوية. لقد فرضته جماعات الإسلام السياسى ـ أصلاً ـ لتميز بعض السيدات والفتيات المنضويات تحت لوائهم عن غيرهن.."

 

10ـ وأقول: نعم إن الإكراه والقسر وتعدى الحدود ما قال به عاقل, ولكن الذى قال به العقلاء هو بيان الحكم الشرعى للأمور بيانًا واضحًا, خاليًا من التأويل السقيم, ومن التفسير المنحرف عن الحق. وإن الحجاب ـ بمعنى أن تستر المرأة المسلمة جميع ما أمر الله بستره من بدنها, سوى الوجه والكفين ـ هو فرض دينى ورد على سبيل الجزم والقطع واليقين والدوام, فى القرآن الكريم, وفى السنة النبوية الشريفة, وليس شعارًا سياسيًا فرضته جماعات الإسلام السياسى أو غبرها, وإنما الذى فرضه هو الله تعالى ورسوله محمد. وأنا شخصيًا لا أعرف شيئًا اسمه            " الإسلام السياسى" , وإذا قال الله تعالى : { ولا يبدين من زينتهن إلا ما ظهر منها }, فيجب على كل مسلم ومسلمة, يؤمنان بالله واليوم الآخر إيمانًا حقًا أن يقولا سمعنا وأطعنا.

 

وإذا قال النبى:" إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى فيها إلا هذا, وأشار إلى وجهه وكفيه". وجب على كل مسلم ومسلمة أن يقولا سمعنا وأطعنا امتثلاً لقوله سبحانه: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً }. [ سورة الأحزاب الآية 36 ].

 

وإن كل مسلمة بالغة لا تلتزم بستر ما أمر الله تعالى بستره مهما كان شأنها ومهما كانت صفتها هى آثمة وعاصية لله تعالى وأمرها بعد ذلك مفوض إليه ـ سبحانه ـ وحده ونسأله ـ عز وجل ـ أن يرزقنا جميعًا السداد والإخلاص فى القول والعمل.

                                                                                                                                محمد سيد طنطاوى

                                                                                                         19/6/1994.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(3) لا ليس الحجاب فريضة إسلامية

 

نُشر هذا الرد فى مجلة " روزاليوسف" المصرية العدد رقم 3446 بتاريخ 27/6/1994 عدا الفقرة الثانية.

 

أهلاً بالسجال مع فضيلة المفتى!

 

لقد تساجلنا مرة من قبل بشأن عقد إجارة الأماكن. ذلك أن فضيلته كتب مقالاً فى جريدة الأهرم ـ بتاريخ 10/4/1994 ـ  ذكر فيه أن شريعة الإسلام لا تجيز امتداد عقود إجارة الأماكن لأكثر من ثمان أو عشر سنوات, كما لاتبيح تحديد الأجرة بواسطة المشرع. واقترح فضيلته تطبيقًا لحكم الإسلام ـ كما يراه ـ أن يصدر المشرع المصرى قانونًا يمنح فيه مهلة للمستأجرين مدة خمس سنوات أو أكثر أو أقل ينتهى بعدها عقد الإيجار ويكون على المستأجر أن يبحث عن مسكن جديد يتفق مع المؤجر على أجره بعيدًا عن تدخل القانون. وقد استند فضيلته فى رأيه بتأقيت عقود الإيجار وعدم جواز امتدادها إلى الآية الكريمة: { قال إنى أريد أن أنكحك إحدى ابنتى هاتين على أى تأجرنى ( أى تعمل لدى ) ثمان حجج       ( أى سنين) فإن أتممت عشرًا فمن عندك } [ سورة القصص 28: 27 ]. وقد رددنا عليه بمقال ننفى فيه أن شريعة الإسلام تقضى بتأقيت عقود إجارة الأماكن وترفض تدخل المشرع لتحديد الأجرة عند اختلال العرض والطلب. وبينا أن الآية التى يعتمد عليها فضيلة المفتى وردت فى سياق قصة موسى فهى رواية وليست حكمًا, كما أنها تتعلق بعقد إجارة الأشخاص ( عقد العمل) لا عقد إجارة الأماكن, ثم أوضحنا الأصل فى حق المشرع ( ولى الأمر ) فى أن يتدخل بتسعير السلع والخدمات إذا ما اختل العرض والطلب حتى لايقضى على ملايين الأسر المستأجرة بالتشريد فى الطرقات.

 

ولم تنشر جريدة  الأهرام ردنا هذا, ونشرته جريدة الأهالى فى 22/6/1994. كان ذلك هو السجال الأول, وهذا هو السجال الثانى.

 

فلقد كنا نشرنا فى مجلة روزاليوسف مقالاً عن الحجاب فى الإسلام اعترض عليه فضيلته بمقاليقول " بل الحجاب فريضة إسلامة" وها هو الرد على مقال فضيلة المفتى.

 

أولاً: تعرضنا لمسألة الحجاب فى الإسلام بطريقة منهجية نظامية تعرض الآيات القرآنية التى تستخدم فى هذه المسألة ثم تطرقنا لحديث الرسول لكى ننتهى إلى وجهة النظر.

 

وكانت الآية الأولى التى عرضناها هى: آية الحجاب [ سورة الأحزاب 53] وأوردنا الآية نصًا وفيها خطاب للمؤمنين { وإذا سألتموهن " أى نساء النبى" متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن ... } ثم بينا أن لفظ الحجاب لغة ـ وعرفًا أيام التنزيل ـ هو الساتر والمرأة المحجوبة هى المرأة المستورة بستر [ لسان العرب, المعجم الوسيط: مادة حجب ]. ومفاد ذلك أن آية الحجاب بصريح معنى لفظ الحجاب و وقفًا على أسباب التنزيل و طبقًا للسياق المستفاد من كل الآية. خاصة بنساء النبى تقصد وضعهن وراء ستار, فلا هُن يرين المؤمنين ولا المؤمنون يرونهن. هذا هو الثابت من تصرفات النبى مع زوجاته بعد نزول هذه الآية " كما سلف بيانه فى مقالنا الأول".

 

معنى ذلك أن الآية لا تتصل من قريب أو بعيد بوضع غطاء على رأس النساء المؤمنات. وتسمية هذا الغطاء ـ خطأ ـ باسم الحجاب ثم تعليله بالآية المنوه عنها أمر ليس من الدين فى شئ, بل هو اعتساف فى تمس حكم شرعى لما لا حكم فيه وبآية لا تفيد ذلك أبدًا, وهذا المعنى الصحيح الصريح من نص الآية المذكورة وشروح المفسرين عليها ومقالنا السابق, هذا المعنى غاب عن رد فضيلة المفتى فخلط بين الحجاب الذى يعنى الساتر بالمعنى العلمى والحجاب الذى يطلق على غطاء الرأس فى القول الدارج ثم دعا إلى تعميم الحكم على كل نساء المؤمنين فى كل عصر ومصر. وبذلك وقع فيما يقوله غلاة المتطرفين من أن المرأة ـ متى بلغت ـ صارت عورة ينبغى سترها عن الرجال تمامًا, وستار العصر الحالى هو حجزها فى البيت " وهو ستائر من حجارة" ومنعها من رؤية الرجال أو رؤية الرجال لها, فإن خرجت من المنزل لضرورة قصوى ففى قناع من الرأس حتى القدم لايُبدى منها شيئًا ابدًا.

 

فهل هذا ما يريده فضيلة المفتى ؟, وهل يتصور أن كلامه يبرر مقولات الغلاة والمتشددين, ويعطيهم السند الشرعى والحجة القانونية؟, وهل هذا ما يريده لنساء وفتيات مصر: أن يحتجبن " يُسترن" فى البيوت فلا يرين أحدًا من الرجال ولا يراهن أحد. لايخرجن ولا يعملن ولا يشاركن فى الحياة العامة إطلاقًا!.  وكيف تكون مصر آنئذ؟,  وماذا يقول العالم عنا وعن الإسلام؟!.

 

أما استدلال فضيلته بما قال القرطبى ـ الذى استند إلى تفسيره ـ فى المسألة التاسعة تعليقًا على الآية المنوه عنها ( آية الحجاب ) فهو ما يلى نصًا:" فى هذه الآية دليل على أن الله تعالى أذن فى مسألتهن من وراء حجاب فى حاجة تعرض أو مسألة يستفتى فيها ويدخل فى ذلك جميع النساء بالمعنى, وبما تصمنته أصول الشريعة من أن المرأة كلها عورة بدنها وصوتها .. فلا يجوز كشف ذلك إلا لحاجة كالشهادة عليها أو داء يكون ببدنها أو سؤالها عما يعرض وتعين عندها " [ تفسير القرطبى ـ طبعة دار الشعب ـ ص 5309 ], فرأى القرطبى فى هذه المسألة هو رأى أهل عصره, من أن المرأة كلها عورة, بدنها وصوتها, وهو قول غلاة المتطرفين فى العصر الحالى, فهل يرى فضيلة المفتى ذات الرأى أم أن لنا أن نأخذ من التفسير والكتب ما يناسب عصرنا ونجتهد, كما اجتهد فضيلته فى مسألة عقد إجارة الأماكن مثلاً, حتى نصل إلى الحكم المناسب للعصر.

 

ثانيًا: ثم ذكرنا فى مقالنا السابق بعد ذلك نص آية الخمار: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن } [ سورة النور 24: 31]. وذكرنا أن النساء كن فى زمان النبى يغطين رؤوسهن بالأخمرة ( المقانع ) ويسدلنها من وراء الظهر فيبقى النحر ( أعلى الصدر) والعنق لاستر لهما, فأمرت الآية بتعديل هذه العادة ولىّ ( أى إسدال ) المؤمنات للخمار     ( الذى اعتدن لبسه ) على الجيوب, حتى لايبرز الصدر ( وهو عورة ).

 

فهذه الآية ـ كما يظهر بوضوح ـ تعديل فى أسلوب ملبس كان شائعًا, بقصد تغطية الصدر وعدم إبرازه, ولا تتصل من أى جانب بوضع غطاء على الرأس. ومن المعروف أن الملبس من مسائل العرف والعادات وأنه ليس من مسائل الفروض والعبادات. وكل ما هو مطلوب شرعًا ودينًا أن تحتشم المرأة ( بل والرجل) وأن يتعفف كُلُّ فلا يظهر عورة وهو أمر يقره العقل السليم والخلق المستقيم.

 

ويقول فضيلة المفتى أن هذا الشق من الآية ( الخمار ) ليس هو الدليل على الحجاب ( وبذلك فقد اتفق معنا ) وأن " محل الشاهد على الحجاب هو قوله تعالى: { ... يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها }. ثم أضاف فضيلته إن معنى ذلك ألا يبدى النساء شيئًا من زينتهن سوى الوجه والكفين لغير أزواجهن أو محارمهن ... ثم أورد فضيلته رأى بعض الصحابة والفقهاء ـ كما جاء فى تفسير القرطبى ـ من أن المقصود بالزينة الوجه والكفان.

 

والواضح من الآية السالفة أن على المرأة المؤمنة ألا تبدى زينتها إلا ما ظهر منها, أى أن لها حق إبداء ( كشف ) ما ظهر من الزينة. وقد اختلف الفقهاء فى بيان " ما ظهر من الزينة" وهو اختلاف بين فقهاء, أى آراء بشر قالوا بها فى ظروف عصورهم وأحوال أمصارهم ـ وليست حكمًا واضحًا محددًا قاطعًا , من ذلك أن بعض الفقهاء قالوا إن ما يظهر من الزينة هو كحل العينين وخضاب اليدين ( بالحناء ) والخواتم.

 

فهل يقول عاقل ـ فى العصر الحالى ـ إن للمرأة أن تكشف ما ظهر من زينتها بتكحيل العينين ووضح الخضاب والخواتم ووضع الأصباغ والمساحيق " خضاب العصر الحالى" ثم تكون مع هذه الفتنة البالغة آثمة إن لم تضع غطاء على الرأس. ومن الذى يقول إن الشعر وحده هو العورة أو الزينة التى لايجوز إبداؤها مع جواز وضع الكحل والخضاب والأصباغ والمساحيق؟ هل الفتنة فى الشعر وحده؟ وماذا عن الصوت, وهو فى رأى البعض عورة؟ وماذا عن الوجه وهو فى رأى آخرين عورة؟ وماذا عن القوام وهو فى رأى الغير عورة؟.

 

إن القول بأن شعر المرأة عورة " لأنه تاجها" يستتبع ـ باللزوم العقلى والتسلسل المنطقى ـ اعتبار الوجه " وهو عرشها" عورة, والصوت " وهو صولجانها" عورة, والجسد " وهو مملكتها" عورة, وكل المرأة عورة, وهو قول إن قيل فى العصور الماضية لظروف الزمان والمكان , فإن من يقول به اليوم هم غلاة المتطرفين وبغاة المتشددين, فهل يُدرك فضيلة المفتى نتائج مقاله وهل يرى رأى هؤلاء البغاة وأولئك الغلاة من أن المرأة عورة لاينبغى أن يراها الرجل, ولا يجوز أن تعمل, ولا يصح أن تختلط بالرجال فى المحال وفى الطرقات وفى الأندية ووسائل المواصلات. وما نتيجة ذلك كله إلا ردة جاهلية وانحصار فى الماضوية وعدم إدراك روح العصر وأسلوب الزمان الذى أصبح يرى أن الحجاب الحقيقى فى نفس المرأة العفيفة وضمير الفتاة الصالحة تحجب نفسها عن الشهوات وتنأى بذاتها عن مواطن الشبهات وتلتزم العفة والاحتشام؟!.

 

ثالثًا: ثم أشرنا فى مقالنا السابق إلى آية الجلابيب: { يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلاليبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين } [ سورة الأحزاب 33: 59]. وذكرنا أن سبب نزول هذه الآية هو تمييز المؤمنات من الجوارى حتى يعرفهن المؤمنون فلا يتعرضوا لهن بالإيذاء بالقول على مظنة أنهن جوار ( على ما كان يحدث ذلك العصر ).

 

وقد وافقنا فضيلة المفتى لى رأينا ( الثابت فى المدونات الإسلامية ) غير أنه أضاف رأيًا لفقيه هو أبو حيان فى تفسيره مؤداه أن ظاهر قول الآية   { ونساء المؤمنين } يشمل الحرائر والإماء ( الجوارى ) ثم أضاف فضيلة المفتى أن الآية واضحة الدلالة فى " أمر النبى بأن يأمر زوجاته وبناته وسائر نساء المسلمين, بالتستر والاحتشام ", ولسنا ندرى ما وجه الرد علينا فى ذلك وقد ذكرنا ـ فى مقالنا السابق ـ نصًا ( أما الحكم الدائم فهو الاحتشام وعدم التبرج ).

 

إن فضيلة المفتى لم يرد على لب ما ذكرناه من أن هذه الآية لا تفيد معنى وضع غطاء على الرأس يُسمى خطأ بالحجاب, وما للجلابيب وما لغطاء الرأس؟ ما الصلة بين إدناء الجلابيب ووضع غطاء على الرأس؟.

 

إن هذه الآية لا تتكلم عن الحجاب أبدًا, فآية الحجاب هى التى أوردناها نصًا من قبل [ سورة الأحزاب 33 : 53] ولو كانت آية الجلابيب تعنى الحجاب أو الخمار لكان معنى ذلك أن الآيتين الأخريين لا تتصلان بالحجاب بشئ أو أن هناك وفرة تشريعية بتكرار نفس الحكم أكثر من مرة, مع أن المشرع العادى يعمد إلى الاقتصاد ـ لحسن السياسة التشريعية ـ فما البال بالشارع الأعظم وهو منزه عن الحشو والتكرار؟.

 

إن الآية تفيد إدناء الجلابيب لتمييز المؤمنات من الإماء فى عصر التنزيل, والقول الذى ساقه فضيلة المفتى فى التسوية بين المؤمنات والجوارى [ نقلاً عن تفسير المحيط الوسيط ] قوله لفقيه فى عصر كانت فيه جوارٍ, أما فى  العصر الحالى حيث لا جوارى إطلاقًا فإن الحكم العام بالتعفف والاحتشام يكون هو الحكم العام ـ كما ذكرنا ـ وهو غاية ما يدعو إليه العقل والخلق وحسن الآداب.

 

رابعًا: بعد أن انتهينا من عدم وجود حكم فى القرآن الكريم على شرعية وضع المرأة غطاء على الرأس, يسمى خطأ بالحجاب وتعتبره جماعات الإسلام السياسى فريضة إسلامية وشعارًا إسلاميًا, اتجهنا إلى حديث النبى فقد روى عن عائشة عن النبى أنه قال : { لايحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا عركت ( بلغت ) أن تظهر إلا وجهها ويديها إلى هاهنا } وقبض على نصف الذراع. ورُوى عن أبى داود عن عائشة أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على رسول الله فقال لها :{ يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لا يصلح أن يُرى فيها إلا هذا وهذا, وأشار إلى وجهه وكفيه}.     [ سنن أبى داود ـ كتاب رقم 31 بند 31 : يُراجع دكتور فنسنك : مفتاح كنوز السنة, نقله إلى العربية محمد فؤاد عبد الباقى, نشر دار إحياء التراث العربى ببيروت ].

 

ذلك هو الحديث الوحيد الذى روى عن النبى بروايتين, كلتاهمت رواية آحاد, فما هو حديث الآحا؟ وما حكم العمل به؟.

 

يرى الفقهاء ـ مما جمعناه عنهم من صحائف كتبهم ـ أن الأحاديث المروية عن النبى أحديث متواترة: وهى الت تواترت الجموع على نقلها عن النبى وأظهرها السنة العملية فى الصلاة وغيرها, وأحاديث مشهورة ( أو مستفيضة ) وقد رواها عن النبى صحابى أو جمع لم يبلغ حد التواتر ثم رويت بعد ذلك بجمع بلغ حد التواتر وأحديث آحاد وهى التى رواها واحد عن واحد عن واحد, وهكذا وأغلب السنة ( الأحاديث) يدخل فى هذا النوع ( أحاديث الآحاد ).

 

والرأى أنه لايجب الأخذ بسنة الآحاد فى الأمور الاعتقادية التى تنبنى على القطع ولا تنبنى على الظن الذى لايُغنى عن الحق شيئًا. أما فى الأحكام العملية فيجرى اتباع ما جاء به, مع أنه ظنى الدلالة, لأن الصحابة والتابعين ومن يلونهم عملوا به [ يُراجع زكريا البرى ـ أصول الفقه ـ ص 200 وما بعدها, عباس متولى ـ أصول الفقه ـ ص 84 وما بعدها, عبد الوهاب خلاف ـ علم أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامى ـ ص 30 وما بعدها, أحمد أبو الفتح ـ المختارات الفتحية ـ ص 110 وما بعدها, أحمد إبراهيم ـ علم أصول الفقه ـ ص 19 وما بعدها ].

 

هذا مجمل ما يُستفاد من أقوال الفقهاء بشأن العمل بأحاديث الآحاد, إذ لايؤخذ بها فى الأمور العقائدية, ويؤخذ بها فى المسائل العملية أى مسائل الحياة الجارية التى لاهى من العقيدة ولا هى من الشريعة, على تقدير أن الجماعة اتبعتها, ويرى آخرون أن الحدود لا تثبت بأحاديث الآحاد        [ محمود شلتوت ـ الإسلام عقيدة وشريعة ـ الطبعة الرابعة عشرة ـ ص 281 ].

 

و وجهة نظر الفقهاء فى العمل بأحاديث الآحاد ـ وهى أغلب الأحاديث المروية عن النبى ـ لأن الصحابة والتابعين ومن يلونهم عملوا بها, قلب للأوضاع, أشبه بوضع العربة قبل الحصان. فالأصل ألا يعمل الصحابة والتابعون ومن يلونهم بحديث الآحاد إذا كان حديثًا ظنيًا, فيصبح عملهم حجة على من بعدهم, بل أن يتحققوا من ضرورة كون الحديث قطعيًا فيعملوا به بعد هذا التحقق, وتكون قطعية الحديث سببًا لعملهم به. وليس عملهم به موجبًا للأخذ بالحديث.

 

وكنا فى مقالنا السابق قد ذكرنا أن الحديث المنوه عنه من أحاديث الآحاد التى يسترشد ويستأنس بها, أى أنها ليست فرضًا دينيًا, والفرض الدينى هو ما جاء فى حكم صريح قطعى لا تشابه فيه فى القرآن الكريم أو فى السنة المتواترة, أما أحاديث الآحاد ـ خاصة تلك التى لم ترد فى كل صحاح ومسانيد الحديث ـ فهى ليست فروضًا دينية بحال, والذى يقول بغير ذلك يفرض من عنده ما لم يفرضه الله.

 

على أننا أثرنا بالنسبة للأحاديث التى تتصل بالمعاملات أو الأمور العملية كما يقول الفقهاء مسألة وقتية الأحكام, أى تعليق الحكم بعد فترة معينة لكونه حكمًا وقتيًا يتصل بزمان معين ومكان محدد, وأشرنا إلى مراجع عدة, وفيما يناسب المجال, فإننا نرجو من فضيلة المفتى إبداء رأيه فى ذلك وسف نقدم إليه مثلاً محددًا, فالقرآن الكريم وإن توسع فى أبواب تحرير الرقيق لم يلغ الرق ولا التسرى بالجوارى إطلاقًا [ وورد التسرى بالجوارى فى 25 موضعًا ], وقد ألغى المشرع الرق بالدكريتو الصادر فى 4/8/1884 والأمر العالى الصادر فى 21/1/1896, على اعتبار أن الرق لم بعد يساير روح العصر, وتبعته فى ذلك كل الدول العربية والإسلامية ( حتى الستينات ), فهل يجوز تطبيق الرق والتسرى بالجوارى الآن؟ وما حكم الدول التى ألغت الرق فعطلت نصوصًا فى القرآن الكريم بعضها يتصل بالعبادات؟ وهل هى دول عصت الله ورسوله فيتعين الخروج عليها وعل أحكامهاـ وهو منهم ـ بالقوة والعنف؟ , وما رأيه فيمن يقتنى جارية فى الأيام الحالية يتسرى بها, هل هو آثم بحكم الشرع أم مخالف لحكم القانون؟ وإذا ساغ تعليق أحكام قطعية من أحكام القرآن الكريم للصالح العام, أفلا يجوز تعليق حكم متشابه فى حديث آحاد ( لم تروه كل كتب الأحاديث: المسانيد والصحاح ) إذا استبدلنا به الأصل العام من الاحتشام والتعفف والتطهر؟!. 

 

خامسًا: ينهى فضيلة المفتى رده علينا بقوله: " وإن كل مسلمة بالغة لا تلتزم بستر ما أمر الله تعالى بستره ( والمفهوم من السياق أنه الشعر ) مهما كان شأنها ومهما كانت صفتها هى آثمة وعاصية ", وهو قول قاسٍ شديد لم نعهد صدوره من فضيلة المفتى الذى عرف بيننا بالوداعة والسماحة, ولعله فرط منه فى حماس الرد علينا والرغبة فى معارضتنا !.

 

إن هذا القول الذى يصف من لا تضع على رأسها غطاء ـ يُسمى خطأ بالحجاب ـ مع التزامها الحشمة والعفة قول يستطيل إلى فضليات السيدات وكرائم النساء ممن يتصدين للحياة العامة ويتطوعن لخدمة المجتمع , فى مصر وفى البلاد العربية والإسلامية, وبعضهن رئيسة للوزراء أو وزيرة, أو مديرة لعمل, أو رئيسة لفرع أو غير ذلك من أعمال ومهن قيادية, هذا فضلاً عن أن هذا القول يقترب كثيرًا من اتجاه الجماعات المتطرفة التى ترمى بالكفر أى مخالف فى الرأى أو مغاير فى التصرف, والرمى بعصيان أمر الله أدخل فى باب الكفر بالله أو بأوامره : { وعصى آدم ربه فغوى } [ سورة طه 20 : 121 ].

 

هل يُقدِّر فضيلة المفتى أن ما جاء فى قوله ذاك يمكن أن يُعطى سندًا وذريعة لمن يرى ضرورة تغيير المنكر باليد لإيذاء من لا تضع غطاء على رأسها " وإن كانت غير مسلمة " بإلقاء ماء النار على وجهها " كما حدث" أو بإيذائها ماديًا أو بالإساءة إليها بالقول والإهانة ( كما يحدث دائمًا ) ؟!.

 

إن ما صدر عن فضيلة المفتى صدر عنه بحكم شخصه ولم يصدر بوضع منصبه, لأنه ليس من شأن هذا المنصب أن يرمى بالعصيان من أمر الله, الفضليات والكريمات والعفيفات, ويرمى بالخبث أزواجهن والمجتمع, لأنهم خالفوا له رأيًا وضح من كل ما سبق أنه محل نظر ( ولا نقول موضع خطأ ) كبير..

 

خلاصة القول إن ما يسمى بالحجاب حالاً ـ وهو وضع غطاء على الرأس ـ غالبًا مع وضع المساحيق والأصباغ ـ ليس فرضًا دينيًا, لكنه عادة إجتماعية, لايدعو الأخذ بها أو الكف عنها إلى إيمان أو تكفير, ما دام الأصل القائم هو الاحتشام والعفة.

 

وفقنا الله إلى الصحيح من الأمر, وأيدنا على الشجاعة فى إبداء الرأى, وساعدنا على الاعتراف بالخطأ إن ظهر وجه الصواب.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(4) فتوى الأزهر عن الحجاب غير شرعية

 

 

نشر هذا البحث فى مجلة روزاليوسف المصرية العدد 3454 بتاريخ 22/8/1994.

يبدو أن قدرنا أن نعاود الكر ونعيد, ما دام غيرنا يكرر الكلام ولا يزيد!.

فلقد كنا قد نشرنا مقالاً عن الحجاب فى الإسلام " بمجلة روزاليوسف العدد 3444 بتاريخ 13/6/1994 فرد علينا فضيلة مفتى الجمهورية, ونشر رد فضيلته وردنا على الرد بمجلة روزاليوسف العدد رقم 3446 بتاريخ 27/6/1994, وكنا نرجو أن يستمر الحوار حتى يصل الجميع إلى قرار صحيح بشأن مسألة حساسة كمسألة غطاء الشعر ـ التى يسمونها خطأ الحجاب ـ والتى يلخص البعض كل الإسلام فيها وحدها ويجعل منها فريضة الفرائض, أهم من أى فريضة أخرى وأبدى من أى واجب آخر. غير أن فضيلة المفتى لم يؤثر الحوار المتصل وإنما فضل الحديث المنفرد وبدأ يزج فى كتاباته بجريدة الأهرام عن أدب الحوار فى الإسلام, رأيه الذى رددنا عليه بشأن الحجاب ( وإن بتعديل بسيط ) وهو مطمئن إلى أن ردنا عليه لن ينشر, وبذلك يستأثر بالحديث وينفرد بالرأى.

 

ثم طلعت علينا لجنة تُسمى " لجنة الفتوى بالأزهر الشريف" بما قالت إنه فتوى عن " الحجاب" بمناسبة قرار السيد وزير التربية والتعليم رقم 113 لسنة 1994 بشأن توحيد الزى المدرسى, وهو القرار الذى رأت الفتوى المذكورة أنه يمس أمر الحجاب. و نظرًا لأن هذه الفتوى هى أول تعرض عام من لجنة الفتوى بالأزهر لموضوع عام, ولأنها رددت الحجج التقليدية مع إضافة خفيفة, فإننا نرى ضرورة الرد عليها. وتفنيد ما جاء فيها, حتى لو اضطررنا إلى تكرار الحديث, مادام غيرنا لا يمل من تكرار القول, فلا يأتى بجديد ولا يرد على الحجج المعارضة لقوله, أو يعنى بالأسانيد المفندة لرأيه.

 

وهذا هو الرد ...

( أولاً ) : ينبغى لسلامة البحث وصحة الاستدلال أن يتحدد ـ ابتداء ـ منهج تفسير آيات القرآن الكريم. فالمنهج التقليدى ( ويوافقه فى ذلك منهج المتطرفين و الإرهابيين ) يتأدى فى أن آيات القرآن الكريم إنما تفسر على عموم ألفاظها, أى وفقًا لمطلق ألفاظ الآية التى تُفسر دون نظر إلى الظروف التاريخية التى أحاطت بنزول الآية, وبغير اعتداد بأسباب تنزيلها.

أما المنهج الأصولى الصحيح فهو يستقيم على أن آيات القرآن لا تُفسر على عموم ألفاظها, ولكن على خصوص أسياي التنزيل, فللإحاطة بالمعنى الصحيح الذى أريد من الآية ينبغى معرفة الظروف التاريخية التى تداخلت معها وأسباب التنزيل التى أدت إلى وجودها.

 

والمنهج التقليدى ـ وهو ذات منهج المتطرفين والإرهابيين ـ يؤدى إلى تفسير آيات القرآن الكريم على غير ما أراد التنزيل, وإعمالها فى غير الأغراض التى تنزلت بسببها, ويبدو ذلك واضحًا فى الآية الكريمة : { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }[ سورة المائدة 5: 44 ], فهذه الآية, وفقًا لرأى أصحاب المنهج السالف, تُفسر على عموم ألفاظها, فتعنى أن كل مجتمع وكل نظام حكم لا يحكم بما أنزل الله ( وفقًا لتصورهم للتنزيل وتفسيرهم له ) يُعتبر مجتمعًا كافرًا, ونظامًا كافرًا, وبذلك يتعين شرعًا مقاومته والخروج عليه وتقويضه. وهكذا ينتهى المنهج التقليدى إلى التوافق مع الإتجاه المتطرف والإرهابى فى نتيجة اعتبار المجتمعات والحكومات كافرة, وإن كان التقليديون ـ لاعتبارات سياسية ـ يقفون بتفسيرهم عند حد معين, بينما يتابع المتطرفون و الإرهابيون النتائج حتى آخرها, فيصلون إلى ما يسكت عنه التقليديون من ضرورة تقويض كل المجتماعات وإسقاط كل الحكومات.

 

أما المنهج السديد, الذى يفسر الآيات وفقًا لظروفها التاريخية وتبعًا لأسباب تنزيلهت, فإنه يرى أن الآية المنوه عنها نزلت فى يهود المدينة فى واقعة معينة, وطلبوا فيها من النبى أن  يقضى بحكم الله فى التوراة على يهوديين كانا قد ارتكبا فعل الزنى, ثم أخفى اليهود " أى أنكروا" عن النبى حكم الله فى التوراة بمعاقبة الزانى بالرجم. فالآية من ثم تتصل بواقعة معينة, وتشير إلى يهود المدينة, ولا تعنى المجتماعات أو الحكومات, كما لا يجوز إطلاقها على المسلمين مهما كانت أخطاؤهم.

 

ومن هذا يتبين بوضوح أن المنهج المتبع فى تفسير آية قرآنية قد يجنح إلى خطأ شديد, ويتبنى تفسيرًا لم يرده التنزيل, كما أنه ـ من جانب آخر ـ لو اُتُبع سبيل التفسير السليم يصل إلى الحقيقة ويعلن التفسير الذى أراده الشارع الأعظم.

 

( ثانيًا ): الفتوى التى صدرت عن اللجنة المسماة ـ بلجنة الفتوى بالأزهر ـ دون تاريخ ـ والمنشورة فى مجلة الأزهر ـ الجزء الثالث ـ السنة السابعة والستون ـ ربيع الأول 1415 هـ , أغسطس / سبتمبر 1994 م ـ صفحات 275 – 279, هذه الفتوى قالت نصًا: " إن نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية تقتضى بأن المسلمة متى بلغت المحيض ... وكانت خارج بيتها لا يجوز لها كشف شئ من جسمها سوى الوجه والكفين ... وأن يكون غطاء الرأس ساترًا بحيث لا يظهر سوى الوجه بحده المعروف طولاً وعرضًا, وأن يمتد غطاء الرأس بحيث يُغطى العنق, والرقبة وفتحة الصدر مما يلى الرقبة, وهو المقصود بالخمار الوارد فى كتاب الله عز وجل.

وهذا ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.

أما الكتاب ففى سورة النور قوله تعالى : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } [ سورة النور 24: 31], وفى سورة الأحزاب قول الله تعالى : { يا أيها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن جلاليبهن ذلك أدنى أن يُعرفن فلا يُؤذين } [ سورة الأحزاب 33: 59].

 

( أ ) وأول ما يُلاحظ على هذا الرأى أنه لم يبين المنهج الذى اتبعه فى تفسير آيتى القرآن سالفتى البيان, وإن كان الواضح تمامًا أنه ركن إلى المنهج التقليدى الذى يفسر آيات القرآن على عموم ألفاظها, وبهذا يكون قد أغفل سبب التنزيل, فوقع فى الخلط والتعميم. ذلك أن سبب تنزيل الآية الأولى " آية الخمار" أن النساء على عهد النبى كن يضعن مقانع على رؤوسهن تتدلى منها الأخمرة ( الطرح ) فيسدلنها وراء ظهورهن وبذلك يبدو الصدر عاريًا, ومن ثم فقد أُمرن أن يضربن ـ أى يسدلن ـ خمرهن ( التى كن يلبسنها أصلاً ) على صدورهن لإخفاء الصدر, وهو عورة. فالآية لم تأمر بلبس الخمار, ولكن أمرت بتغطية الصدر. أما سبب تنزيل الآية الثانية " آية الجلابيب " فهو أنه لم تكن فى بيوت المؤمنين ـ فى المدينة ـ دورات مياه, فكانت النساء يخجن إلى الخلاء بعيدًا عن المدينة لقضاء حاجاتهن وكان بعض الرجال يتعقبونهن ويؤذونهن بالقول, أى يتعرضون لهن بالقول الجارح, على مظنة أنهن جوارٍ أو غير عفيفات, ولما شكت النساء إلى النبى نزلت آية الجلابيب, تقصد من إدناء الجلابيب إلى أسفل أن يتميز المؤمنات من غيرهن فلا يؤذين بالقول. فالآية بذلك لا تتصل بوضع غطاء الرأس " وما لإدناء الجلابيب وما لتغطية الشعر؟!" ولا تأمر بإدناء ( أى إرسال ) الجلابيب إطلاقًا, ولكن لسبب خاص هو أن تميز المؤمنات عن غيرهن, فإذا زال سبب هذا التمييز زالت الضرورة لإدناء الجلابيب, وهو الأمر الواقع فى العصر الحالى.

 

( ب ) وقد ركن الرأى إلى جزء من الآية هو :{ وليضربن بخمورهن على جيوبهن } وعَدّ ذلك أساس وضع ما يُسمى بالحجاب, ولم يتعرض للشق الآخر: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } مع أن فضيلة المفتى فى رده علينا استند إلى هذا الشق الأخير, وقال إنه سبب فرض ما يُسمى بالحجاب, وأنكر أن يكون هذا الفرض بسبب جزء الآية :{  وليضربن بخمورهن على جيوبهن }, وبذلك أصبحنا أمام رأيين, احدهن للمفتى والآخر للجنة الفتوى بالأزهر, كل يقول قولاً مرسلاً دون أن يعرض للرأى الآخر.

 

( جـ ) وتزيد الرأى فاعتبر أن الخمار, المقصود من الآية, هو " غطاء الرأس ساترًا بحيث لا يظهر سوى الوجه .. وأن يمتد غطاء الرأس بحيث يغطى العنق, والرقبة, وفتحة الصدر .." وهذا تَزَيُّد لا أساس له, أو تفسير للآية بالمطلوب , وليس طلبًا بما هو فى الآية. فلفظ الخمار يعنى غطاء الرأس فقط, ولا يعنى سوى ذلك [ لسان العرب: مادة خمر: صفحة 157, طبعة دار صادر ببيروت: الخمار هو ما تغطى به المرأة رأسها: أى الطرحة : المعجم الوسيط ـ مادة طرحة ].

 

( د ) لم يتعرض رأى اللجنة لما يقرره الفقهء من حق المرأة فى أن تُبدى زينتها الظاهرة بأن تكتحل وتضع الأصباغ والمساحيق وتلبس الأقراط والأساور, وهو ما يعنى أنه ليس للجنة رأى خلاف الفقهاء, ومفاد هذا أنه يحوز للمرأة أن تفعل كل ذلك ولا تعتبر أن ثم خطأ قد وقع منها أو أنها كشفت عورة أو تظهر فتنة, أما الخطأ كل الخطأ, والمحظور الذى ما بعده محظور, فهو ألا تغطى شعر رأسها بخمار.

 

( ثالثًا ) : ولبيان ما يجوز للمرأة أن تظهر من جسدها ـ وهو الوجه والكفان ـ اعتمدت اللجنة فى ذلك على حديث قالت فيه نصًا : { ما رواه أبو داود عن عائشة ـ رضى الله عنها ـ أن أسماء بنت أبى بكر دخلت على النبى (ص) فى ثياب رقاق, تشف عن جسدها, فأعرض عنها النبى (ص) وقال " ياأسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا, وأشار إلى وجهه وكفيه }.

 

( أ ) وهذا الحديث لم يُخرجه البخارى فى صحيحه " أصح كتب الحديث " ولا أخرجه مسلم ولا ورد فى مسند ابن حنبل, وإنما جاء فى سنن أبى داود فقط " وهو كتاب واحد من ستة كتب للحديث لا تعتبر أصحها".

 

( ب ) والحديث لم تروه عائشة وإنما رواه عنها شخص يُدعى خالد بن دريك, وقد قال أبو داود عن الحديث أنه مرسل, أى لم يثبت صدوره عن عائشة إلا عن طريق هذا الراوى الذى لم يعاصرها قط.

 

( جـ ) والحديث من أحاديث الآحاد التى لن ترد بطريق التواتر ولا بصورة مشهورة, وإنما أخرجه أبو داود " فى أوائل القرن الثالث الهجرى" رواية عن واحد بعد واحد بعد واحد , حتى وصل إلى خالد بن دريك الذى روى عن عائشة مع أنه لم يعاصرها ولم يرها قط.

 

( د ) ولو أن الحديث قد صح للمسلمين فى عصر النبوة لا تبعوه جميعًا ولا تبعه من تلاهم ثم من تلاهم, وهكذا حتى يصل إلينا سُنة متواترة بالفعل وليس مجرد حديث آحاد مرسل. وإذا كان بعض الصحابة أو التابعين قد عمل بمضمون هذا الحديث فإنما وقع ذلك منهم كعادة اجتماعية وليس ا5

تباعًا لسُنة دينية.

 

( هـ ) وأحاديث الآحاد يُعمل بها فى شئون الحياة الجارية ولا يُعمل بها فى المسائل الدينية, أى أنه لاتقوم بها فروض أو واجبات دينية, وإنما تصلح للاستئناس والاسترشاد لاغير, كما أنه لاتُقام بها حدود.

 

( رابعًا ) : وتسوق اللجنة فى التدليل على رأيها حديثًا عن ابن عباس حيث قال: { إن النبى ( ص) أردف خلفه ( على دابته ) الفضل بن العباس ـ يوم النحر ـ وكان رجلاً حسن الشعر, أبيض, وسيمًا. فجاءت امرأة من قبيلة خثعم تستفتى الرسول ( ص ) فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه, فجعل رسول الله ( ص ) يصرف وجه الفضل إلى الشق ( الإتجاه ) الآخر. فعاد الفضل ينظر إليها ثلاث مرات, والرسول ( ص ) يحول وجهه. فقال العباس لرسول الله ( ص ) لِمَ لويت عنق ابن عمك؟, فقال صلعم : رأيت شابًا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما }, ثم أضافت اللجنة: زكل من هذين الحديثين ( هذا الحديث والحديث السابق ) واضح الدلالة على جواز كشف الوجه والكفين من المرأة, وقد أجمع المسلمون على هذه الأحكام منذ عهد رسول الله ( ص ) إلى اليوم, وأصبحت معلومة من الدين بالضرورة !.

 

ويُؤخذ على هذا القول:

( أ ) أن الاستدلال بهذا الحديث فى بحث يهدف إلى إضفاء الشرعية على تغطية المرأة رأسها ـ بما يسمى خطأ بالحجاب ـ استدلال فى غير محله, أو هو بتعبير المناطقة و الأصوليين استدلال فاسد, إذ ما الذى يقطع بأن المرأة ـ من قبيلة خثعم ـ لم تكن سافرة لاتضع على رأسها غطاء, بذلك يكون الحديث دليلاً على عكس ما تريد اللجنة أن تثبته, غاية ما فى الأمر أن الحديث دلالة واضحة على أن وجه المرأة قد يكون فتنة للرجل, كما قد يكون وجه الرجل فتنة للمرأة, فإذا ما أُريد بالحجاب أن يزيل هذه الفتنة من المرأة, فهو لن يفعل إلا إذا غطى كل الوجه, وهذه حجة أصحاب النقاب, يقابل ذلك أنه إذا تعين وضع النقاب على وجه المرأة لمنع فتنة الرجال, فإنه يتعين كذلك ـ من باب المساواة ـ ولتحقيق ذات الغرض ـ أن يوضع النقاب على وجه الرجل حتى لا تفتتن به بعض النساء.

 

( ب ) وفى مقال منشور بجريدة الأهرام بتاريخ 7/8/1994 قال فضيلة المفتى :" وجمهور الفقهاء على المقصود بما ظهر منها ( ما ظهر من الزينة ) : الوجه واليدان". وبهذا لم يركن فضيلة المفتى إلى أحاديث للنبى ( ص ) ليثبت أن ما يظهر من المرأة البالغة هو الوجه واليدان فقط. وخالف بذلك رأى اللجنة, بل عدل فى رأيه السابق. فإذا كان الرأى فيما ينبغى أن يظهر من المرأة ولا يعتبر عورة مردودًا إلى الفقهاء, فهو رأى بشر وليس أمرًا من الدين أو الشريعة. وما دام الناس أماك آراء بشرية فمن حقهم تعديلها وفق ما يرون, دون أن يُعد ذلك خروجًا من الدين أو جنوحًا عن الشريعة ما داموا يلتزمون الحشمة والعفة. 

 

وإذا كان الفقهاء قد رأوا فى السابق أن شعر المرأة عورة لابد من تغطيتها, فإنه يمكن للمسلمين فى العصر الحالى ألا يعتبروه عورة ـ ما دام لايوجد نص فى القرآن أو السنة قطعى بذلك ـ وأن يروا العفة فى ذات المرأة الطاهرة وضمير الفتاة النقى وقلب الأنثى السليم, لا فى مجرد وضع زى أو لبس رداء ثم تجاهل الأعراف والتقاليد والأخلاق.

 

( جـ ) وتشير اللجنة إلى أن المسلمين قد أجمعوا على هذه الأحكام ( الحجاب يمعنى تغطية الرأس وبالمعنى الذى فصلته اللجنة من عندها ) منذ عهد الرسول ( ص ) إلى اليوم, والاستناد إلى الإجماع فى ذلك أمر غريب,  فالإجماع يكون أساسًا حيث لايوجد حكم قاطع فى القرآن الكريم أو السنة النبوية, وما دامت اللجنة تركن فى الدليل على رأيها إلى القرآن والسنة فإنه يكون من قبيل اللغو الذى لا معنى له أن تعمد بعد ذلك إلى ذكر الإجماع خاصة أن ثمة خلافًا كبيرًا بين المسلمين فى مسألة الإجماع, فيرى المالكية أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة وحدهم, ويرى آخرون أنه إجماع أهل ألمصار ( الكوفة والبصرة ), وينكر أحمد بن حنبل وجود أى إجماع إلا إجماع الصحابة, كما ينكر الوهابيون تعميم مبدأ الإجماع ويأخذون فى ذلك برأى ابن حنبل, وهناك فِرَق ـ كالشيعة والأباضية ـ لاتدخل بطبيعة الحال فى إجماع أهل السنة, ويرى بعض الفقهاء أن الإجماع لم ينعقد قط [ يُراجع ـ على سبيل المثال ـ دائرة المعارف الإسلامية ـ الطبعة العربية ـ باب إجماع ـ ص 245 ].

 

( د ) وتقول اللجنة إن الآراء التى انتهت إليها أصبحت معلومة من الدين بالضرورة, وهى بذلك تلوح بعصا الإلحاد وتتكلم بلغة الإرهاب, فتصف من يخالف رأيها بأنه كافر وأنه يستحق عقوبة الردة, وهذا من أخطر ما يمكن أن يصدر عن لجنة تنتسب إلى الأزهر, لأنه يفرض جوًا من الرعب والخوف على مناخ البحث ويشل يد متخذى القرار عن أى مبادأة, ويُشيع الإرهاب المعنوى فى كل مكان وفى أى نفس. وإذا كان من يخالف رأى اللجنة ـ فى وضع ما يسمى بالحجاب ـ منكرًا لما هو معلوم من الدين بالضرورة ( أى كافرًا ) فما رأى اللجنة فى هؤلاء الذين يرون أن الإسلام يأمر بالنقاب ( لا الحجاب )؟,  وأن كل من يخالف رأيهم يُعَد منكرًا لما هو معلوم من الدين بالضرورة؟. أليس حكم أنصار النقاب هؤلاء ـ ومنهم وهابيون بارزون ـ يستطيل إلى أعضاء لجنة الفتوى أنفسهم ؟!. وما حكم المسلمين وهم ضائعون بين أنصار النقاب وأنصار الحجاب, وكل يلوح بالكفر والإلحاد جزاء لمخالفة رأيه؟.

 

يا لضيعة المسلمين بين هؤلاء وهؤلاء, بين فقهاء من كل جانب يتهمون خصومهم ـ فى مسألة من مسائل الفروع لا الأصول ـ بالكفر والإلحاد, وهو أمر يجعل معظم المسلمين منكرين لما هو معلوم من الدين بالضرورة !! وبذلك يصبح الكل كفارًا !!.

 

( خامسًا ) : و عَوْد على بدء, فإن فتوى لجنة الفتوى بالأزهر فى مسألة الحجاب أبديت بمناسبة صدور القرار رقم 113 بتاريخ 17/5/1994      ( من السيد وزير التربية والتعليم ) بشأن مواصفات الزى المدرسى, ووزعت على نطاق واسع, ونُشرت فى عدة صحف ومجلات منها مجلى الأزهر, وبذلك تكون هذه أول مرة, وأول سابقة, تتصدى فيها لجنة الفتوى فى الأزهر لمسألة عامة وتطالب بالعدول عن الرأى فيها, وتصف المسئولين ـ ومن يشايعهم ـ لاكفر والإلحاد, وتدمغ من يعمل القرار بالعصيان لأمر الله, وتهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور, وهى سابقة تلاها إبداء الرأى فى شأن انعقاد مؤتمر السكان بالقاهرة مما يشير إلى أنها سوف تصبح قاعدة, فتهيمن لجنة الفتوى بالأزهر على كل أوجه الحياة فى مصر وتسيطر على كل المناشط السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والإعلامية والحضارية والعلمية وغيرها, وهى سيطرة لاتسمح بأى جل ولا تبيح أى نقاش, وإنما تضفى على رأيها العصمة, وتتهم من يناقشه بإنكار ماهو معلوم من الدين بالضرورة, أى بالكفر والإلحاد, وهو اتهام كاف لأن بعطى مسوغًا لأى إرهابى لأن يصفّى المعارض جسديًا فيغتاله دون أن يُعتبر آثمًا فى حكم الشرع ( كما قال واعظ أمام محكمة الجنايات ).

 

ونظرًا لخطورة هذه التداعيات, وإيذائها بقيام حكومة ثيوقراطية ( كهنوتية ) تحكم من خلال من يسمون أنفسهم رجال الدين, بينما لايعرف الإسلام إلا علماء فى علوم الدين لا رجال دين ولا يقر وجود مؤسسات دينية, بل يعترف بقيام مؤسسات مدنية ـ كالأزهر الشريف ودار الإقتاء ـ يتصل عملها بشئون الدين, نظرًا لكل ذلك, فإنه يكون من الضرورى واللازم بيان الأساس الشرعى والسند القانونى لقيام لجنة الفتوى, ونطاق عمل هذه اللجنة, حتى يوضع كل أمر فى موضعه الصحيح, ويسود حكم القانون وتستقر أسس الشرعية.

 

فالذى يحكم نشاط الأزهر هو القانون رقم 103 لسنة 1991 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يضشملها, ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار رئيس الجمهورية رقم 250 لسنة 1975. وهذا القانون نظم فى الباب الثالث منه " مجمع البحوث الإسلامية وإدارة الثقافة والبعوث الإسلامية", وجعل من فضيلة شيخ الأزهر رئيسًا لهذا المجمع ( مادة 18/2 ), وحدد هيئاته فى مجلس المجمع, ومؤتمره, والأمانة العامة        ( مادة 20 ) كما حدد اختصاصاته بكل ما يتصل بالنشر والترجمة والتأليف .. " على أن " تتولى إدارات المجمع تنفيذ مقرراته", وأن " تنظيم هذه الإدارات بقرار من شيخ الأزهر ( مادة 25 ), ونظمت اللائحة التنفيذية للقانون إدارة الثقافة والبعوث الإسلامية", واعتبرت أنها " هى الجهاز الفنى لمجمع البحوث الإسلامية".

 

وواضح من الاطلاع على قانون الأزهر ولائحته التنفيذية أنه خلو من تنظيم أو إنشاء أو حتى الإلماح إلى ما يسمى لجنة الفتوى بالأزهر, وكل ما يعرفه القانون هو مجمع البحوث الإسلامية ( الذى يرأسه شيخ الأزهر ) وإدارة الثقافة والبعوث الإسلامية, ولا يخول القانون أو لائحته التنفيذية لفضيلة شيخ الأزهر أو مجمع البحوث الإسلامية إنشاء أى لجان مستقلة للفتوى.

 

إن ما يسمى بلجنة الفتوى بالأزهر لجنة ليس لها أساس شرعى وليس لوجودها سند قانونى وليس لعملها هيكل تنظيمى, وغاية ما فى الأمر أنها ذات وجود واقعى ( غير قانونى ) أو أنها أنشئت بقرار داخلى من فضيلة شيخ الأزهر لمساعدة الناس فى التعرف على آراء الفقه فى مدارسه المختلفة, فإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يجوز لهذه اللجنة أبدًا أن تتصدى للمسائل العامة وأن تفرض رأيها على صناع القرار, وأن تتهم بالكفر والإلحاد من يخالفها فى مسألة من مسائل الفروع, مختلف عليها, ولا تحديد بشأنها.

 

فإذا عَنَّ لهذه اللجنة أن تبدى رأيًا فى مسألة ترى أنها تتصل بالإسلام فإن عليها أن تقدم هذا الرأى إلى مجمع البحوث الإسلامية ليصدر عن هذا المجمع وعن رئيسه ( فضيلة شيخ الأزهر ) كما حدث ابتداء فى مسألة مؤتمر السكان ( الذى عقد فى القاهرة اعتبارًا من 5/9/1994 ), أما التصرف بالصورة الغريبة التى وقعت فيها اللجنة فهو أمر مخالف للإسلام, مقوض للشريعة, مجانب للقانون, وهو ما ينبغى أن يتكاتف الجميع لمنعه وأن يحول الكل دون وقوعه, حتى تعلو راية الإسلام وترتفع أسس الشرعية ويسود حكم القانون.

 

وما عدا ذلك فهو شرع الغابة أو الطوفان!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(5) شعر المرأة ليس عورة

 

نشر هذا البحث فى مجلة روزاليوسف المصرية العدد 3451 بتاريخ 1/8/1994.

 

تقوم فكرة وضع المرأة غطاء الرأس, يسمى خطأ بالحجاب, على نظر يرى أن شعر المرأة عورة, فيتعين عليها أن تغطى هذه العورة ولا تكشفها, مع مشروعية إبداء زينتها, بأن تكتحل وتضع الأصباغ والمساحيق, وتتحلى بالأساور و الأقراط, وهو أمر يوجد حالة غاية فى التناقض ونهاية فى التعارض.

 

ولماذا يعتبر شعر المرأة عورة؟

ومن الذى يقول يذلك؟

ما هى جذور هذه الفكرة؟

وما هو وجه الصواب فيها؟

ذلك ما يقتضى الإجابة عنه بالإبتداء من أغوار التاريخ الساحقة.

 

الشَعْر فى الحضارات القديمة:-

 

نشأ لدى المصريين القدماء, منذ عصور موغلة فى القدم, اعتقاد ـ صدر عن فكر غيبى ـ بأن شعر الإنسان هو مظهر القوة ورمز الافتخار, ولما كان الكهنة هم الذين يدخلون وحدهم قدس الأقداس فى المعابد, كما أنهم يهبون كل حيواتهم للإله فيعيشون ويقيمون فى هذه المعابد, فقد صار من طقوسهم الدينية أن يحلقوا رؤوسهم تمامًا, دليلاً على الضعف و رمزًا للاتضاع أمام الإله, وفى كل حركاتهم وسكناتهم, خلال أنشطة الحياة المختلفة.

 

ولذات المعانى اعتاد المصريون القدماء جميعًا ـ رجالاُ ونساءًا ـ أن يحلقوا شعورهم كلية, إظهارًا لضعفهم أمام الإله وتعبيرًا عن الخضوع والاتضاع فى كل تصرفاتهم, وكان الرجال يضعون على رؤوسهم أغطية من القماش تقيهم وهج الشمس وتحميهم من حرارتها, بينما كان النساء يضعن ـ لذات الغاية وللتزيين ـ غطاء مصنوعًا من الشعر المستعار, هو الذى يُعرف باسم " الباروكة".

 

وقد تسرب فكر قدماء المصريين إلى أنحاء كثيرة من العالم وإلى حضارات مختلفة متباعدة, فكان رجال الدين المسيحى ـ فى العصور الوسطى ـ يحلقون شعور رؤوسهم كما أن المهنة البوذيين والهندوسيين ما زالوا حتى العصر الحالى يفعلون نفس الشئ: ربما إدراكًا منهم لفكرة المصريين القدماء فى حلق شعر الرأس, أو اتباعًا لأمر صار عادة عندهم, كما صار شارة لوضعهم الدينى ومركزهم الروحى.

 

وعندما حضر يوليوس قيصر ( 120 ـ 44 ق.م. ) من روما إلى مصر, تأثر بالفكرة, فلما أن غزا أرض الغال ( فرنسا ) ولاحظ أن أهلها يرسلون شعورهم أمر بقصها تدليلاً على خضوعهم لسلطانه.

 

الشعر فى اليهودية:-

 

لأن موسى عليه السلام ( القرن الثالث عشر قبل الميلاد ) كان قد نشأ ورُبِى فى مصر فقد تأثر بفكر وحضارة قدماء المصريين, وعندما خرج من مصر مع العبرانيين ( اليهود ) وبعض المصريين, كانوا جميعًا ينتهجون نهج قدماء المصريين فى أشياء كثيرة, منها ضرورة عدم إظهار شعر الرأس أمام الإله تدليلاً على الخضوع والخنوع, ولما كان هؤلاء العبرانيون قد تأثروا ـ مع الوقت ـ بعادات الآسيويين من إرسال الشعر وعدم حلقه كالمصريين القدماء, فقد واسطوا ( العبرانيون ) بين الأمر, فصاروا يرسلون شعورهم ـ ولا يحلقونها ـ ثم يعمدون إلى تغطيتها عند الصلاة ـ حيث الوقوف فى حضرة الإله ـ فكان الرجال يضعون على رؤوسهم " طواقى " بينما كان النساء يضعن الأخمرة على رؤوسهن أثناء الصلاة, أو عند الدخول إلى المعبد.

 

وحتى العصر الحالى فإن اليهود المتدينين يضعون الطاقية على الرأس أثناء وجودهم فى المعابد أو أثناء الصلاة أو عند القيام بمهام دينية, بينما تضع النساء الخمار فى هذه الحالات.

 

بل زاد المتطرفون وأصبحوا يضعون الطاقية فوق رؤوسهم فى كل حين, وخلال سيرهم فى الشوارع, وقد يدعى بعضهم أنه أمر دينى وليس وضعًا سياسيًا يقصد إلى أن من يلبس الطاقية يهودى متزمت وهو بذاته نفس الحال فيما يتعلق بالخمار عند المسلمات.

 

الشعر فى المسيحية:-

 

لم يتكلم السيد المسيح عن الشعر ـ بالنسبة للرجل والمرأة ـ على الإطلاق, ربما لأنه عُنى بالجوهر لا بالمظهر, وركز على القلب والضمير لا الشكل والمظاهر.

 

لكن بولس الرسول تناول مسألة شعر الرأس فى رسالته إلى أهل كورونثوس فقال: { كل رجل يصلى أو يتنبأ وله على رأسه شئ يشين رأسه. وأما كل امرأة تصلى أو تتنبأ ورأسها غير مغطى فتشين رأسها .. إذ المرأة إن كانت لا تتغطى فليُقَص شعرها .. هل يليق بالمرأة أن تصلى إلى الله وهى غير مغطاة .. } [ الأصحاح الحادى عشر: 4 ـ 14 ].

 

ومفاد كلام بولس الرسول أنه لا ينبغى للمرأة أن تصلى لله ورأسها غير مغطى, أى دون تغطية الشعر, أما الرجل فيمكنه ذلك ـ وبهذا يكون بولس الرسول قد تأثر بعادات مجتمعه الرمانى من أنه يمكن للرجل أن يصلى دون أن يغطى شعر رأسه, لكنه ظل متمسكًا بالعادة اليهودية من أنه لا يجوز للمرأة أن تصلى لله دون أن تضع على رأسها غطاء وهو الخمار, كما أنه رأى أن هذا الغطاء بديل عن حلق أو قص شعر المرأة, فإذا لم تضع المرأة الخمار على شعرها عند الصلاة فالأجدر أن تقص هذا الشعر لتذللها لله وإخضاعها لعزته.

 

فشعر المرأة, فى المسيحية واليهودية, وفى غيرهما, لايعد عورة, لكنه يعتبر رمزًا للقوة ومظهرًا للاعتزاز, وينبغى على الرجل والمرأة, فى اليهودية, وعلى المرأة وحدها, فى المسيحية, تغطية شعر الرأس عند الصلاة لله إظهارًا للخضوع لعزته وعلامة على الاتضاع أمامه, فإذا لم تضع المرأة الخمار عند الصلاة, فالبديل هو قص أو حلق شعرها على عادة قدماء المصريين.

 

شعر المرأة فى الإسلام:-

 

كان النبى يحب مخالفة أهل مكة ( المشركين ) وموافقة أهل الكتاب, ومن ثم فقد كان يفْرق شعره على عادة أهل مكة عندما كان يقيم فيها, فلما هاجر إلى المدينة ورأى أن أهل الكتاب يرسلون شعورهم أرسل شعره.

 

وكعادة أهل الكتاب, فإن كل رجل من المسلمين كان يضع على رأسه عند الصلاة " طاقية" لتغطية الشعر الذى لاينبغى أن يظهر أمام الله آنذاك تعبيرًا عن الضعف إلى الله, والعبودية له, والاتضاع لعزته, والخضوع لحضرته.

 

ووضعت النساء الخمار عند الصلاة, كما كانت تفعل نساء أهل الكتاب, ولذات الغرض الذى وضعت هذه النساء الخمار من أجله, ونفس السبب الذى كان الرجال من المسلمين يضعون غطاء الشعر " الطاقية" من شأنه, عند الصلاة.

 

وفى معنى جعل شعر المرأة المسلمة عند الصلاة أمرًا واجبًا فقد روى عن النبى أنه قال:" لاتقبل صلاة الحائض ( المرأة البالغ ) إلا بخمار", أخرج الحديث أبو داود وابن حنبل وابن ماجه والترمذى [ مفتاح كنوز السنة ـ ص 168 ]. ويعنى ذلك ضرورة أن تضع المرأة البالغ غطاء على شعرها أثناء الصلاة, هو ما يعرف بالخمار أو الطرحة [ المعجم الوسيط, مادة طرحة ].

 

وهذا الحديث :" لاتقبل صلاة الحائض ( المرأة البالغ ) إلا بخمار" يضعّف من ( أى يُضعف من شأن ) الحديث المروى عن النبى :" لايصلح لامرأة عركت ( أى بلغت ) أن تظهر منها إلا هذا وهذا .. وأشار إلى كفيه ووجهه " [ رواه أبو داود فى سننه ], فلو أن الأصل أن تضع المرأة غطاء على رأسها عمومًا, لما كانت ثمة وصية ـ ولا مناسبة ـ لأن يُطلب منها وضع خمار على رأسها أثناء الصلاة. فحديث الخمار يفيد أن المرأة لم تكن دائمًا وأصلاً تضع على رأسها, وأن الحديث يوصى بأن تضع خمارًا على رأسها ( لتغطى شعرها ) وقت الصلاة, ووقت الصلاة فقط.

 

ومما يزيد تضعيف ( أى ضَعّف ) حديث حديث :"  لايصلح لامرأة عركت ( أى بلغت ) أن تظهر منها إلا هذا وهذا " أن هذا الحديث أخرجه أبو داود فى سننه ( وهى سنن لم تعن بالتشدد فى رواية الحديث ) ولم يخرجه أى عالم آخر من علماء الحديث, فى حين أن حديث " لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار" حديث أخرجه ابن حنبل فى السند وابن ماجه والنرمذى, أى أن الذى أخرج هذا الحديث الأخير أربعة من علماء الحديث. بينما لم تخرج الحديث السالف " لايصلح لامرأة عركت.." إلا واحد فقط, والحديثان مع ذلك لم يخرجهما البخارى فى صحيحه ( أصح   كتب الأحاديث ). وأبو داود, عندما أخرج الحديثين معًا فى سننه, لم يلحظ ما يمكن أن يكون بينهما من اختلاف, ولم يحاول أن يحدد سببًا, أو حالة, لإعمال كل حديث منهما.

 

ومع أنه فى رأينا ـ كما سبق وبينا فى مقال سابق ـ أن آية الخمار : { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن } [ سورة النور 24: 31], هذه الآية ـ وفقًا لأسباب التنزيل ـ تتعلق بتعديل عُرف كان جاريًا وقت التنزيل, إذ كانت بعض النساء يضعن أقنعة على رؤوسهن تتدلى منها الأخمرة فيسدلنها وراء ظهورهن ومن ثم يظل الصدر بارزًا عاريًا, ولذلك فقد امرن بلىّ الأخمرة على صدورهن ـ بدلاً من إسدالها وراء ظهورهن ـ حتى يتغطى الصدر ( وهو عورة ), مع أن أسباب التنزيل تفيد هذا المعنى, إلا أنه ـ لمن لايريد أن يأخذ بذلك ـ يمكن اعتبار الآية السالفة والحديث الخاص بالخمار متكاملين معًا, بحيث يكون المعنى أن على المرأة البالغ أن تضع خمارًا على رأسها وقت الصلاة ( عملاً بالحديث ) وأن تضرب بالخمار على جيبها حتى لايظهر صدرهها ( عملاً بالآية ), وبذلك يزول أى تعارض بين الآيات القرآنية والأحاديث المروية عن الرسول, وتتكامل الآية والحديث معًا ليفيدا وضعًا معينًا.

 

ويُستفاد من استقراء أوضاع الحياة الجارية فى عصر ما قبل الإسلام وفى وقت التنزيل, وفى صدر الإسلام, أن الزى واللباس كانا عادات اجتماعية ومواضعات عرفية, لاتتصل بالدين ولا تتعلق بالشريعة ( فيما عدا الاحتشام والتعفف والتطهر ), وأنه كان ثم نساء منقبات, وأخريات مقنعات, وغيرهن مستخمرات ( يضعن الأخمرة ), وباقهين سافرات, والأدلة على ذلك لاتقع تحت حصر. وقد ظلت هذه الأحوال مستمرة حتى انتهت وخاصة فى مصر, إلى أن تصبح دليلاً على عمر المرأة أو شارة إلى وضعها الاجتماعى, فالمرأة المسنة كانت تضع الغطاء على شعرها دائمًا, أو على الأقل عند مقابلة الرجال, تواضعًا وإبرازًا لكبر سنها, ونساء الطبقة الوسطى الدنيا والطبقة الكادحة كن يغطين شعورهن بمنديل     ( يسمى منديل أبو قوية ), والفلاحات كن يضعن الطُرح ( الأخمرة ), وسيدات الأسرة المالكة كُن يلبسن غطاء للشعر وحول الرأس, أبيض اللون غير مزركش ( بالتركية : يشمك ) دليلاً على وضعهن الملكى.

 

وهذا الزى مأخوذ عن ذات الزى الذى كانت تضعه سيدات أسرة الخليفة العثمانى, لأن أصله بيزنطى ( من القسطنطينية أو الأستانة ) كما أنه كان منتشرًا فى فارس ثم انتشر فى روسيا القيصرية حتى ثورة 1917. وهذا الزى بعينه هو ما ارتدته النساء التركيات ليتميزن به عن الأرمينيات, قبل هجرة الأرمن من تركيا.

 

أما عن الرجال ـ وخاصة فى مصر ـ فقد كانوا, حتى وقت غير بعيد, يلتزمون وضع أغطية على الرؤوس, طرابيش أو عمائم أو طواقى أو ما ماثلها, لتغطية الرأس.

 

ولم يكن من المقبول أو المسموح, أن يقابل شخص رئيسًا أو حاكمًا أو أن يدخل إلى محكمة أو يصلى فى مسجد أو فى خلوة, دون أن يضع غطاء للرأس ـ يختلف باختلاف وضعه الاجتماعى ـ دليلاً على تقديره لنفسه ورمزًا لتوقيره للسلطة الأعلى, ودلالة على اتضاعه أمام الله وفى حضرته عند الصلاة. وفى هذا المعنى, كان رفع غطاء الرأس أمام الرؤساء والحكام والقضاة ومن ماثلهم يعتبر إهانة يعاقب عليها أو تفقده بعض اعتباره.

 

إن مسألة الزى والملبس من مسائل العادات والتقاليد التى تضرب بأصولها فى مجتمعات بعيدة وأعراف قديمة, وتتداخل وتتشابه رغم اختلاف المعتقدات والشرائع. فالسيدة بناظير بوتو رئيسة وزراء باكستان تضع على رأسها خمارًا يغطى النصف الخلفى من شعر رأسها ويبرز النصف الأمامى, وهو بذاته الخمار الذى كانت تضعه ـ وبنفس الطريقة السيدة أنديرا غاندى رئيسة وزراء الهند, وهذا الخمار يعتبر فى جانب زيًا إسلاميًا بينما هو فى الجانب الآخر زيًا هندوسيًا, وهو فى الحقيقة عرف فى شبه الجزيرة الهندية, يشترك بين المسلمين وغير المسلمين, وزى الرجال الباكستانى ( المعطف الطويل والسروال الطويل ) يُعد لدى البعض زيًا إسلاميً مع أنه نفس لاالزى الذى يضعه الرجال الهنود ( الهندوسيون ). فهو زى قومى وليس لباسًا دينيًا.

 

وقد كان الأصل, والفرض, أن يفهم الناس الحقيقة, ويضعون خطوطًا فاصلة بين ما هو من الدين وما ليس منه, ما يكون من الشريعة وما لايكون منها, غير أن الاتجاهات السياسية من جانب, وتصدير بعض البلاد النفطية لعاداتها الاجتماعية من جانب آخر, ووعاظ الفتنة ودعاة البلبلة من جانب ثالث, كل هذه العوامل وغيرها تفاعلت معًا ـ إن بوعى وإن بعدم وعى ـ لتفرض على النساء تغطية شعر الرأس زعمًا بأن ذلك عمل إسلامى, مع ترك زينة الوجه, ووضع الأصباغ والمساحيق, بل ووضع غطاء للرأس مزركش ومدندش ومتخايل, مما ينفى حكمة الغطاء ويحوله إلى سبب للزهو والخيلاء بدلاً من أن يكون داعيًا للزهد والاتضاع.

 

والدليل على أن وضع غطاء الرأس ـ يسمى خطأ بالحجاب ـ عمل سياسى أكثر منه عملاً دينيًا, أنه يُفرض على الفتيات الصغيرات ( دون البلوغ ) مع أنه إذا أخذ بالنص الدينى فعلاً, فإنه يقتصر على النساء البالغات فقط. لكن القصد هو استغلال الدين لأغراض سياسية واستعمال الشريعة فى أهداف حزبية, بنشر ما يسمى بالحجاب, حتى بين الفتيات والصبيات دون البلوغ, لكى يكون شارة سياسية وعلامة حزبية على انتشار جماعات الإسلام السياسى وذيوع فكرها حتى وإن كان مخالفًا للدين, وشيوع رموزها مهما كانت مجانية للشرع.

 

الخلاصة:-

 

ويخلص من ذلك كل ذلك ما يلى:-

 

أولاً : أن شعر المرأة ( وشعر الرجل ) لايعتبر عورة أبدًا فى المفهوم الدينى الصحيح والتقدير الشرعى السليم.

 

ثانيًا : نشأ فكر قديم ـ لدى المصريين القدماء ـ بأن الشعر هو مظهر القوة ورمز الافتخار, وانتشر هذا الفكر فى العالم القديم مما أدى إلى أن يضع الرجال ـ فى كثير من الحضارات ـ أغطية على رؤوسهم ( طاقية أو طربوش أو عمامة أو غيرها ), وخاصة أمام الرؤساء والحكام والقضاة وعند الصلاة علامة على توقير الأعلى سطوة والأرفع سلطة وأسلوبًا لبيان الضعف الإنسانى والاتضاع الفردى أمام الله سبحانه ( عند الصلاة ) وكانت النساء يضعن أخمرة ( طرحًا ) على رؤوسهن لذات الغرض ونفس الهدف.

 

ثالثًا : الحديث الذى روى عن النبى ويقول :" لا يصلح أن يُرى فيها إلا هذا وهذا, وأشار إلى وجهه وكفيه ", حديث آحاد لم يخرجه إلا أبو داود فى سننه ( وهى سنن لم تعن بصحة الإسناد أو سلامة المتن ) ولم يرد الحديث فى صحيح البخارى, أصح كتب الحديث.

 

رابعًا : يتعارض مع هذا الحديث حديث آخر روى عن النبى :" لا تقبل صلاة الحائض إلا بخمار " وهو حديث آحاد كسابقه أخرجه أبو داود           ( مخرج الحديث السابق ) كما أخرجه ابن حنبل وابن ماجه والنرمذى, وهذا الحديث يعنى أن الأصل لم يكن أن تضع المرأة غطاء على شعرها, فى كل وقت, ولكنه يطلب منها أن تضع خمارًا على رأسها وقت الصلاة فقط.

 

خامسًا : هذان الحديثان هما من أحاديث الآحاد التى لاتؤسس بها فريضة دينية أو يقام عليها واجب دينى وإنما يعمل بها على سبيل الاستئناف والاسترشاد.

 

سادسًا : الزى والملبس من شئون الحياة التى تتشكل وفقًا للأعراف وتتحددد طبقًا للتقاليد ولا تتصل بالدين أو تتعلق بالشريعة إلا فى ضرورة أن تلتزم المرأة ( والرجل ) الاحتشام والتعفف والتطهر.

 

سابعًا : ليس من الدين ولا من الشريعة أن يُفرض غطاء على الرأس ـ حتى على الأطفال والأحداث ـ بزعم أن الشعر عورة مع إباحة الحق للمرأة فى أن تبدى زينتها فتضع الأصباغ والمساحيق والكحل وتتحلى بالأساور والأقراط, ثم تضع غطاء للرأس مزركشًا زمدندشًا ومتبهرجًا.

 

وخلاصة الخلاصة أن شعر المرأة ليس عورة أبدًا, والذى يقول بغير ذلك يفرض من عنده ما لم يفرضه الدين, ويلزم الناس ما لاينبغى أن تلتزموا به. ويغير ويبدل من أحكام الدين لجهل شخصى أو مصلحة سياسية أو أهداف نفطية.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

(6) الإسلام السياسى

أو الأيديولوجيا الإسلامية

 

نشر هذا البحث فى مجلة روزاليوسف المصرية العدد رقم 3460 بتاريخ 3/10/1994.

 

الإسلام عقيدة عامة, وشريعة حركية ( ديناميكية ).

فالإسلام عقيدة عامة, بمعنى أنه فى الأصل والأساس نظام دينى وليس مشروعًا سياسيًا, وهو كنظام دينى مفتوح أمام كل الناس دون أن يكون مقصورًا على أمة بذاتها, أو شعب بعينه, أو جماعة دون غيرها.

 

و الإسلام شريعة حركية, بمعنى أنه منهج للحياة يتحرك مع واقعات الحياة الجارية فتتغير أحكامه بتغير الأحداث ويتقدم إلى المستقبل باجتهادات مستحدثة واتجاهات واقعية.

 

وفكرة النسخ فى القرآن خير دليل على ذلك, فأحكام القرآن لم تجئ من خارج الواقع مرة واحدة وإنما تفاعلت مع الواقع شيئًا فشيئًا وتنزلت منجمة " مجزأة " آية بعد آية وحكمًا إثر حكم.

 

وعلى سبيل المثال فإن التوريث مر بمراحل ثلاث, كان لكل مرحلة فيها حكم فقد جاء فى القرآن الكريم : { ولكل جعلنا موالى مما ترك الوالدان والأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } [ سورة النساء 4 : 33 ], وكان معنى ذلك أن ما يتركه المورث يكون لذوى الأرحام ـ دون تحديد أنصبة لهم ـ كما يكون لمن له عقد مع المورث وهو عقد كان معروف فى الجاهلية وفى صدر الإسلام ـ حتى عهد التنزيل فى المدينة ـ اسمه الموالاة وبمقتضاه يصير كل من المتعاقدين وليًا للآخر ويرثه عندما يموت. ثم نزلت بعد ذلك الآية : { كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرًا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقًا على المتقين } [ سورة البقرة 2: 180 ]. وكان معنى ذلك أن يتم التوريث عن طريق وصية يوصى بها المورث قبل وفاته ويحدد أنصبة من يرثونه ثم وقعت حادثة معينة نزلت بعدها الآية : { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك } [ سورة النساء 4: 11 ]. فهذه الآية الأخيرة نزلت بسبب واقعة معينة فنسخت ( ألغت ) ـ فى رأى عموم المسلمين ـ حكم التوريث بالوصية, كما أنها والآية السابقة لها نسختا ( ألغتا ) حكم التوريث بعقد الموالاة.  

 

ومؤدى ذلك أن منهج الإسلام أو شريعته منهج وشريعة حركية تتفاعل مع الأحداث لتواجه الواقع ولا تقف خارج التاريخ وبعيدًا عن الزمن لاتغير ولا تتغير.

 

ومن هذا المعنى كان ولابد لتفسير آيات القرآن تفسيرًا صحيحًا أن نعود إلى أسباب التنزيل وأن يتم التفسير وفقًا لأسباب التنزيل وإلا حدث خلط فى الفهم وخطأ فى التقدير. فكل آيات القرآن نزلت لأسباب اقتضتها واستجلاء هذه الأسباب وبينها ضرورى لتفسير هذه الآيات تفسيرًا واقعيًا صحيحًا.

 

والإسلام كعقيدة وشريعة ينأى عن الإطلاق ويبعد عن الفهم المطلق, فهو يجيز عدم الإيمان به: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ سورة الكهف 18: 29 ], كما أنه لايقطع بصورة مطلقة فى شأن الخلاف بين المؤمنين أو ماجاء به الإسلام وغيرهم وإنما يترك الخلاف قائمًا ـ دون قطع أو إطلاق ـ حتى يفصل الله بين الجميع يوم القيامة : { إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شئ قدير } [ سورة الحج 22 : 17 ].

 

والإسلام كنظام دينى, وليس مشروعًا سياسيًا, نظام غير شمولى, بل يترك للناس مساحة كبيرة يتصرفون فيها, ويدع للمجتمع مجالاً واسعًا يتحرك فيه, دون أن يصبه فى قوالب حديدية أو يشله بقواعد جامدة كما تعمل النظم الشمولية السياسية ( الفاشية ).

 

ومن ذلك أن الإسلام يفصل بين الدين والدنيا, وذلك واضح من مثال مشهور, فقد كان النبى قد أشار على المؤمنين بعدم تأبير النحل, وإذ استجابوا لرأيه فإن النخل لم يثمر, عند ذلك عدل النبى عن رأيه وقال قولته المشهورة : { أنتم ( أيها الناس ) أعلم بشئون دنياكم }, أى إن الإسلام ـ كعقيدة وشريعة ـ ينأى بأحكامه ويبعد بقواعده عن النظريات العلمية والتجارية والزراعية والأساليب الحياتية والأنظمة الصناعية والمعادلات الرياضية والقواعد الفنية وغيرها مما ماثلها وشاكلها, ذلك أن هذه كلها من شئون الدنيا التى يكون المختصون فيها أعلم بها من غيرهم, ولا يتدخل فيها الدين أبدًا, ولا تختلط بها الشريعة قط.

 

غاية ما فى الأمر أن العقيدة ـ كنظام قيمى ومنهج أخلاقى ـ تحكم بهذه الأخلاق وتلك القيم مسار النظريات والتجارب والأساليب والنظم والمعادلات والقواعد كما توجه غاياتها نحو كل ما هو إنسانى وكل ما هو كونى, وتحظر استعمالها ضد الإنسانية أو عكس الأهداف الكونية أو لأغراض استغلالية أو لأسباب احتكارية, وهكذا.

 

ولأن الإسلام ـ كما أنف البيان ـ نظام دينى وليس مشروعًا سياسيًا فإن السياسة فيه ليست أصلاً ولا أساسًا, فالنبى لم يمارس السياسة قط فى العهد المكى, وعندما باشرها فى العهد المدنى ( على فرض أنها كانت سياسة ) فقد باشرها فرعًا عن رسالته الدينية وليست أصلاً فيه أو أساسًا منه بحال من الأحوال. وحتى فى هذه المباشرة الفرعية الثانوية فإن حكومته ـ إن جاز أن تسمى حكومة ـ كانت حكومة ذات طابع خاص, فهى تباشر عملها تحت إشراف ورقابة الوحى, يصحح ويعدل ويوافق ويؤيد, أى إنها فى الفهم الإسلامى ـ كانت حكومة الله , أما بعد النبى وحيث لايوجد وحى مباشر أو غير مباشر على الأقل فى المفهوم السنى فإن الحكومة تكون حكومة الناس تصدر منهم وتحكم عنهم وتتولى بإذنهم وتعفى برغبتهم. يضاف إلى ذلك أن حكومة النبى كانت حكومة تحكيم ولم تكن حكومة حكم. فالنبى لم يكن يحكم كل أنشطة الحياة من زراعة وصناعة وتجارة ورى وما شابه, بل اقتصر حكمه على تنظيم ما يتصل بالدعوة من مناشط, كإرسال الرسل وحرب المعتدين وتلقى الفئ والغنائم وتزيعها. وهكذا , وفيما يتعلق بالقضاء فلم يكن يحكم فى كل نزاع ويطبق حكمه بسلطان القانون كما يحدث حاليًا من الحكومات المعاصرة, بل كان محكمًا فيما يقبل الناس أن يرفعوه إليه من خصومات على أن ينفذوا حكمه طائعين مختارين بلا قوة تفرض عليهم أو سلطة تملى عليهم تنفيذ الحكم :     { فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا فى أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا } [ سورة النساء 4: 65 ], { فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم } [ سورة المائدة 5: 42 ]. أى إن النبى لم يكن حاكمًا قائمًا مفروضًا يلزم عليه أن بفصل فى أى خصومة بل إنه كان محكمًا للناس أن تلجأ إليه أو إلى غيره, فإن لجأوا إليه فله أن يقبل التحكيم أو أن يعرض عنه, وإذا أصدر حكمًا فالناس هى التى تطبقه مختارة دون أن تفرضه عليهم سلطة أو تلزمهم به قوة.

 

هذا هو الإسلام الصحيح .. الإسلام الحق.

 

غير أنه حدث فا البواكير الأولى فى التاريخ الإسلامى أن استهوت السلطة بعض المسلمين فمالوا إلى السياسة وجنحوا إليها, ومن ثم عمدوا إلى تأييد أوضاعهم ـ سلطة ومعارضة ـ بآيات من القرآن الكريم, واستشهادات من الإسلام نفسه, فحولوا العقيدة العامة والشريعة الحركية إلى أيديولجيا ( مذهبية ) شمولية ( ديكتاتورية ) جامدة ( دوجماطيقية ) ذلك أن الدين عام إنسانى يقوم أساسًا على الضمائر وينبنى على الأخلاق, أما السياسة فهى قاصرة متدنية انتهازية. أى إن الدين والسياسة من نسيجين مختلفين ومن معدنين متنافرين. لذلك فإنه ما إن تدخل الساسة إلى الدين حتى تحوله إلى أيديولوجيا, أى إلى مذهب شمولى ومعتقد جامد.

 

ونتيجة لهذه الأيديولوجيا الإسلامية التى عضدتها السلطة وساندتها المعارضة, فإن المفهوم الإسلامى تحول لدى كثيرين إلى أيديولوجيا مضادة للدين ومعارضة للشريعة.

 

1 ـ فقد رأى هؤلاء الأيديولوجيون " خالطو السياسة بالدين" أن الإسلام مقصور على العرب الذين كانوا عربًا وقت الرسالة, واستندوا فى ذلك إلى الآية : { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } [ سورة إبراهيم 14 : 4 ], والآيى : { نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين. بلسان عربى مبين ... ولو نزلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم ما كانوا به يؤمنون } [ سورة الشعراء 26 : 193 ـ 199 ], ومع أن غيرهم رد عليهم بعالمية الإسلام وإنسانيته مستندً إلى الآية : { وما أرسلناك إلا رحمة للعامين } [ سورة الأنبياء 21 : 107] والآية : { وما أرلناك إلا كافة الناس } [ سورة سبأ 34 : 28 ]. إلا أن غلبة الأيديولوجيا وداعى السياسة أديا إلى أن يفرض الحكام الأمويون الجزية على المسلمين من غير العرب, حتى جاء عمر بن عبد العزيز ( 99 ـ 101 هـ / 717 ـ 720 م ) فألغاها قئلاً :" إن محمداً أرسل هاديًا ولم يُرسل جابيًا", وهو فهم يرى الدين دينًا ولا يحوله إلى أيديولوجيا.

 

فكأن الفهم الأيديولوجى للدين يحوله إلى قومية وجنسية وحزبية, مع أن الإسلام ليس كذلك أبدًا بل ويؤدى هذا الفهم الأيديولوجى إلى أن يصبح التدين معارضًا لأى قومية أخرى, مناقضًا لأى جنسية عداه فى خصومة مع أى حزب غيره. وبهذا يصير الأتباع ضد أوطانهم وحربًا على مواطينهم كل إيمانهم بالرئيس أو المرشد أو الزعيم أو الأمير, وكل ولائهم للتنظيم أو الجماعة أو الخلية.

 

2 ـ ولأن زعماء الأيديولجيا الدينية وقادة الإسلام السياسى يميلون إلى صبغ دعواهم بالدين وإلى تأييد أوضاعهم بالقرآن فقد عملوا على اقتطاع آيات من القرآن الكريم وفصلها عن سياقها الطبيعى وبترها من أسباب التنزيل ثم استعمالها على عموم ألفاظها لكى ينسبوا لأنفسهم حكمًا خاصًا بالرسول أو يعضدوا سلطتهم بقول يتعلق بالجلالة وحدها. وبهذا انقطع منهج القرآن عن مبدأ الزمان وانفصل عن فكرة الوقت وصار مطلقًا معلقًا خارج الزمان وبمنأى من التاريخ, يقتطعون منه ما يشاءون ويتمثلون به كيفما يريدون.

 

وفى هذا الصدد قال أحد قادة الأيديولوجيا الإسلامية: " من أطاعنى فقد أطاع الرسول, وطاعة الرسول من طاعة الله, ومن أطاع الله فقد أفلح". وهو بذلك يعيد صياغة الآية: { من يطع الرسول فقد أطاع الله } [ سورة النساء 4: 80 ]. كما كان ذات الشخص يحرص دائمًا على أن ينسب لنفسه حقًا خاصًا بالنبى, إذ كان يقول عن نفسه:{ فلا  وربك لايؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لايجدوا فى أنفسهم حرجًاا مما قضيت ويسلموا تسليمًا }. مع أن اسباب تنزيل هذه الآية وسياق ألفاظها, ودلالة معناها, تفيد أنها خاصة بالنبى وحده, حال حياته, وأنها تعنى قبول تحكيمه فى المسائل وليس ترك الحكم لغيره.

 

بل إن قطع آيات القرآن الكريم عن أسباب تنزيلها واستعمالها على عموم ألفاظها ادى بواعظ لغوى إلى أن ينسب إلى الحاكم ( إثر أحداث 18, 19 يناير 1977) وضعًا هو لله وحده إذ قال عن الحاكم: { لايسأل عما يفعل وهم ( أى خصومه ) يُسألون } [ سورة الأنبياء 21: 23], وبهذا نسب للحاكم ما هو واضح من أسباب التنزيل وسياق الآية أنه خاص بالله سبحانه.

 

3 ـ وتؤدى الأيديولجيا الإسلامية كما تؤدى أى أيديولوجيا أخرى إلى الشمولية أى الدكتاتورية أى احتكار السلطة, فرأيها هو وحده الرأى وما عداه كفر وإلحاد , وجماعتها هى جماعة المسلمين ومن عداهم كفار, وهكذا.

 

ومن هذا المفهوم الجانح فإنها تفرض على أعضائها مبدأ " السمع والطاعة" الذى يهدر أى حرية ويلغى أى اختيار ويحول الشخص إلى آلة تسمع فتطيع بغير فهم ودون تمييز, مع أن أساس المساءلة الدينية والدنيوية هى حق التمحيص والنقد وحرية الاختيار. يضاف إلى ذلك , أن قصر الإسلام على جماعة واختزال المسلمين فى مجموعة هو أمر ضد الإسلام وضد المسلمين خاصة حين يطابق بين هذه المجموعة وتلك الجماعة وبين الإسلام نفسه فينتهى إلى القول بأن اضطهاد هذه الجماعة اضطهاد للدين وأن الخروج عليها خروج على الإسلام.

 

هذا ما قالت به جماعات الخوارج فى فجر الإسلام وهو بذاته ما تقوله الجماعات السياسية التى تتمحل بالدين وتتمحك فى الشريعة, لأنها جميعًا حولت الدين إلى أيديولوجيا.

 

4 ـ ولأن الأيديولوجيا بطبيعتها شمولية قابضة فإنها تعمل دائمًا على أن تنشب أظافرها فى كل مناشط الحياة, ومن ثم فإن الأيديولوجيا الإسلامية تخلط بين الإسلام كعقيدة عامة وبين التاريخ وهو من عمل الناس, كما تخلط بين الشريعة ـ وه نهج اله ـ وبين الفقه ـ وهو آراء البشر ـ وبذلك فهى تدعى تنظيم كل الأنشطة وتوجيه كافة الأعمال وتضع الكفر جزاء لأى مخالفة. فالجهاد " بمعنى قتل أعدائها" فريضة والحجاب ( أى وضع غطاء للشعر ) فريضة ولزوم الجماعة فريضة ... وهكذا يصبح كل شئ فريضة وتصبح أى مخالفة كفرًا عقوبتها الإعدام غيلة.

 

ومن جانب آخر, فمع أن القرآن والسنة المتواترة حرصا على ألا يرتبط الدين أو تختلط الشريعة بالنظريات العلمية لأنها متغيرة ولا بالأساليب الفنية لأنها متطورة. وقال النبى فى ذلك قولته المشهورة: " أنتم أعلم بشئون دنياكم" , بما يعنى فصل الدنيا عن الدين وعدم ربط النظريات العلمية والتجارب الزراعية والأساليب الحياتية والأنظمة الصناعية والمعادلات الرياضية والقواعد الفنية وغيرها من أمور متغيرة بقواعد الدين الثابتة إلا من حيث تأثر الأهداف بالقيم الدينية وتوشج الأغراض بالمبادئ الخلقية,  مع هذا الوضوح والجلاء, فإن الأيديولوجيا فى إدمانها للشمولية تعمل على ربط العلوم والقواعد والمبادئ المتغيرة بالشمولية الدينية فتصل إلى أحد أمرين: إما وقف نمو العلوم والفنون والآداب, وإما إسقاط المفاهيم الدينية العامة على ما هو جزئى بطبيعته ومتغير بجوهره.

 

5 ـ والأيدولوجيا الإسلامية سياسة فى الأصل وتحزب فى الأساس ومن ثم فقد استبدلت الإسلام السياسى بالإسلام دينًا. واستهدفت كما عملت على تسويغ الأهداف السياسية بشعارات دينية وتبرر الأغراض الحزبية بمقولات شرعية أى إنها تتخذ من الدين ستارًا يُخفى أبعادها كما تتخذ من الشريعة جدارًا تناور من ورائه.

 

إن السياسة لدى الأيديولوجيا الإسلامية هى المركز لنشاطها وهى البؤرة لرؤيتها. وكل ماعدا ذلك يقع فى الهامش ويستقر عند الحواف, وإذا لم يكن الدين لديها فى البؤرة ولا الشريعة فى المركز فإنها لاتتعلق منهما إلا بكل ما هو هامشى غير أساسى وكل ماهو عرضى غير جوهرى.

 

وتزعم هذه الأيديولوجيا أنها تتبع خطى النبى فى السياسة وذلك تلاعب واضح وتماحك لاأساس له. فالنبى باشر السياسة ( إن كان قد باشرها ) عرضًا من رسالته ويس أصلاً للدين. وقد كانت مباشراته تحدث تحت رقابة الوحى وتتم بتقرير منه. ولا وحى الآن يدعى أنه يسوس الأنشطة كالنبى, يُضاف إلى ذلك أن عمل النبى العام مقصور على بعض الأنشطة دون كافة أوجه الحياة وأنه كان محكمًا ولم يكن حاكمًا.

 

إن تعلل الأيديولوجيا الإسلامية بالدين وتمسحها بالشريعة ليس إلا وسيلة لفرض جماعة أو حكومة ثيوقراطية ( كهنوتية ) تدعى أن حكمها هو حكم الله وأن رأيها هو رأى الإسلام وأن قولها هو القول الفصل فلا تسمح بمعارضة ولا تقبل رأيًا آخر ولا تسمع قولاً خلافًا لقولها. وتلك هى طبيعة الأيديولوجيا عامة حيث تدعى احتكار المطلق وتزعم امتلاك الحق فى التعبير عن الله أو عن الكل.

 

هذه الأيديولوجيا التى زحفت على جوهر الإسلام وأزاحت من البؤرة أى عقيدة صحيحة نزعت إلى أن تتخذ لها مظاهر بدلاً من الجواهر وشعارات عوضًا عن الحقائق فوجدت فيما تسميه الحجاب شعارًا سياسيًا وعلامة حزبية شأنها فى ذلك شأن الأيديولوجيات التى اتخذت قمصانًا ملونة أو أربطة معينة أو قلادات خاصة, شارات لها وعلامات لجماعتها تريد أن تستشعر بها القوة وأن تزعم بواسطتها الانتشار.

 

فالحجاب إذن ( أو غطاء الشعر فى الحقيقة ) ليس فرضًا دينيًا ولا عملاً شرعيًا, لكنه فى الواقع شعار سياسى وعلامة حزبية.

 

إنه من ادعاء الأيديولوجيا الإسلامية وليس من جوهر الإسلام.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

القسم الثانى

حجية الحديث

 

قال النبى عن قومه من العرب : " إنّا أمة أمية لا نكتب و لا نحسب" [ أخرجه البخارى ومسلم وأبو داود والنسائى. والمقصود بالأمة : العرب, والأمة لها معانٍ. والمعنى المقصود فى الحديث: الجماعة. والأمية نسبة إلى الأم, أى إن الأمى باقٍ على الحالة الأولى التى ولدته عليها أمه. وقد تكون النسبة إلى أم القرى ( مكة ) أى إن المقصود بالأمة : قريش ].

 

أى أن العرب قبل الإسلام وفى صدره, كانوا أمة أمية, وفى ذلك يُقال إن عدد من كانوا يعرفون القراءة والكتابة فى قريش ( قبيلة النبى ) كانوا عند بدء الرسالة عشرة أفراد, منهم عمر بن الخطاب.

 

وقد اتخذ النبى عددًا من غير الأميين من قومه ليكتبوا عنه الوحى, فكتبوا آيات القرآن فى أشياء متفرقة [ مثل الرقاع والأكتاف ( عظم عريض كان فى كتف الحيوان) والعُسب ( جريد النخل )].  حتى جُمع القرآن ـ فيما بعد ـ فى عهد أبى بكر الصديق, بمشورة عمر بن الخطاب, ثم جُمع المسلمون على قراءة واحدة ـ فى عهد عثمان بن عفان ـ هى تلك التى تُعرف بالرسم العثمانى, وحُرقت المصاحف التى كانت تتضمن قراءات أخرى, أى قراءات برسوم أو لهجات مختلفة, واستقر المصحف على الرسم العثمانى المتداول حاليًا . [ الجامع لأحكام القرآن المسمى تفسير القرطبى ـ أبو عبدالله محمد بن أحمد الأنصارى القرطبى ـ طبعة دار الشعب ـ صفحة 43 وما بعدها, و أحمد أبو الفتح, المختارات الفتحية فى تاريخ التشريع وأصول الفقه ـ الطبعة الثالثة ـ سنة 1922 ـ صفحة 47, 48].

 

وقد اختلف فى تدوين السنة القولية ( أى الأحاديث ) التى صدرت عن النبى, فقد قيل أن المؤمنين تورعوا عن كتابة شئ غير القرآن, أو أنهم أُمروا بذلك, كما قيل إن بعضهم كتب بعض الأحاديث, غير أن الأحاديث لم تُجمع إلا فى عصر التدوين, فى العصر العباسى الأول, وفى النصف الثانى من القرن الثانى الهجرى.

 

وثم رواية على أن عمر بن عبد العزيز ( 99 ـ 101 هـ / 717 ـ 720 م ) الخليفى الأموى الثامن أمر بجمع الحديث, إلا أن الراجح أن أمره هذه لم يصادف تنفيذًا, فبقيت الأحاديث دون جمع حتى العصر المنوه عنه. [ أحمد أمين ـ ضحى الإسلام ـ الجزء الثانى, صفحة 106 وما بعدها ].

 

ماهية الحديث:-

 

والحديث لغة هو الخبر, واصطلاحًا هو كل خبر يتصل بأعمال النبى وأقواله, وأحواله.

ولكل حديث سند أو إسناد يبين الراوى ويحدد سلسلة الرواة, ومتن ( نص ) هو موضوع الحديث.

وقد ظلت الأحاديث تُروى من شفة لشفة, وعن شخص إلى غيره, حتى وُجد اتجاه إلى جمعها, فى أمكنة مختلفة وفى أزمنة متقاربة,

*   ففى مكة جمع الحديث ابن جريج الرومى الأصل ( المتوفى نحو سنة 150 هـ ), ولم يوثقه البخارى ( أى لم يُعتمد صحة ما كتب ), وقال عنه : " إنه لا يُتابع فى حديث".

*      وفى المدينة جمع الحديث محمد بن إسحاق ( المتوفى فى سنة 151 هـ ), ومالك بن أنس ( المتوفى سنة 179 هـ ).

*   وبالبصرة جمع الحديث الربيع بن صبيح ( المتوفى سنة 160 هـ ) , وسعيد بن أبى عَروبة ( المتوفى سنة 156 هـ ) وحماد بن سلمة   ( المتوفى سنة 176 هـ ) .

*      وفى الكوفة جمع الحديث سفيان الثورى ( المتوفى سنة 161 هـ ) .

*      وفى بلاد الشام الأوزاعى ( المتوفى سنة 156 هـ ).

*      وباليمن مَعْمَر ( المتوفى سنة 153 هـ ).

*      وبخراسان ابن المبارك ( المتوفى سنة 181 هـ ).

*      وبمصر الليث بن سعد ( المتوفى سنة 175 هـ). [ أحمد أمين ـ ضحى الإسلام ـ الجزء الثانى, صفحة 103 ].

 

ولم يبق من هذه المجموعات, حتى العصر الحالى, إلا مُوطَّأ مالك ( ابن أنس ), ووصف لبعض المجموعات الأخرى, ويدل الموطَّأ, بلفظه وطبيعته, على أن جمع الأحاديث كان يهدف أساسًا إلى خدمة التشريع, بتسهيل استنباط الأحكام منها, فالموطَّأ مرتب على أساس فقهى, وكان الغرض منه, ومن أمثاله, أن يرد مالك وأضرابه على حركة فقهاء العراق الآخذين بالعقل والقياس. فجامعو الأحاديث, على منهج الموطَّأ, كانوا يؤثرون الحديث, ولو كان خبر آحاد, على القياس وإعمال العقل, أى يفضلون النقل على العقل, ومن ثم فقد جمعوا الحديث لكى يكون مصدرًا منظمًا لاستنباط الأحكام. [ أحمد أمين ـ ضحى الإسلام ـ الجزء الثانى, صفحة 108 ].

 

وأحاديث موطَّأ مالك ـ الذى واصل وحده الاستمرار فى المحيط الإسلامى ـ ليست كلها مسندة, يرويها مالك عن شخص محدد فآخر معين حتى يصل إلى النبى, بل إن بعضها مرسل ( أى سقط من سنده اسم الصحابى فروا التابعى ـ أى من يلى الصحابى فى المرتبة ـ من غير ذكر اسم الصحابى الذى روى عنه التابعى ), وبعضها منقطع ( وهو الذى سقط من سنده راوٍ أو أكثر ). ومن أجل هذا العوار فى سند الأحاديث ( سلسلة الرواة ) لم تروِ كتب الأحاديث الصحاح ( مثل صحيح البخارى وصحيح مسلم ) كل أحاديث الموطَّأ, إذ لم يصح لدى جامعى هذه الكتب بعض هذه الأحاديث.     [ خلدون الأحدب ـ الحديث المرسل ـ مفهومه وحجيته ـ دار البيان العربى بجدة 1984 ].

 

جمع الحديث :-

 

وتلت تلك المرحلة مرحلة أخرى أهم, هى مرحلة جمع الأحاديث على أساس تبويبها على أساس الموضوعات أو على أساس الرواة , وحد ذلك فيما يسمى بالصحاح والمسانيد.

 

فالصحاح هى ( الكتب , الدواوين ) التى ترتب الأحاديث على أساس الأبواب أو الموضوعات, كأن يُقال ( كتاب الصلاة ) تم تورد الأحاديث التى تتصل بموضوع الصلاة, وهكذا, وأهم الصحاح: صحيح البخارى وصحيح مسلم.

 

أما المسانيد فهى التى ترتب الأحاديث, على طريقة السند, أى أن تُورد الأحاديث على حسب الرواة من الصحابة, فتجمع الأحاديث التى رواها أبو هريرة ـ مثلاً ـ عن النبى مهما اختلفت موضوعاتها من صلاة أو صوم ....... وأشهرها مسند حمد ( ابن حنبل ).

 

ويلى ذلك فى الأهمية ما يُعرف باسن السنن, وهى كتب أو دواوين تنتهج نهجًا مغايرًا لنهجى الصحاح والمسانيد , فتقتصر على إراد أحاديث الأحكام ولا تتشدد فى الرواية والرواة تشدد الصحيحين, ومن هذ السنن : سنن أبى داود ( سليمان بن الأشعث السجستانى 817 ـ 888 م ), وسنن الترمذى ( أبو عيسى محمد بن عيسى 815 ـ 892 م  ) وهو تلميذ لأبى داود السجستانى.  

 

طرائق جمع الحديث:-

 

فى حين كان الدور الأول لجمع الأحاديث قد وقع فى النصف الثانى من القرن الهجرى الثانى, فإن الدور الثانى حدث فى أوائل القرن الثالث الهجرى, أى بعد حوالى قرنين هجريين من وفاة النبى, أو أكثر من ذلك. لهذا السبب لم يكن جمع الأحاديث سهلاً أو هينًا, فطول العهد بين وفاة النبى وهذا الجمع ( حوالى مائتى سنة هجرية) كان قد أوجد عددًا هائلاً من الأحاديث التى نُحلت ( أى وُضعت أو اُ ختُلِقت ) لأسباب شتّى. ولم يكن من السهل معرفة الحديث الصحيح من الحديث الموضوع ( المنحول أو المُختلق ), خاصة بالنسبة لغير المتخصصين, بل وللمتخصصين أيضًا.

 

ويُذكر فى هذا الصدد أن البخارى ( أبو عبدالله محمد ين اسماعيل 809 ـ 869 م ) جمع سبعين ألف حديث, وقال البعض إنه جمع مائتى ألف حديث, لم يصح له منها إلا 2726 ( ألفان وسبعمائة ستة وعشرون ) حديثًا غير مكرر, وموصول السند, 7397 ( سبعة آلاف وثلاثمائة سبعة وتسعون ) حديثًا بما فيها الأحاديث المكررة.[ أحمد محمد شاكر ـ الباعث الحثيث فى شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير(701 ـ 774 م) ـ الطبعة الثالثة ـ صفحة 20, ضحى الإسلام ـ أحمد أمين ـ صفحة 113 ].

 

أما مسلم ( أبو الحسن الحجاج القشبرى 817 ـ 875 م ), وهو تلميذ البخارى, فبلغ عدد الأحاديث التى صحت له 4000 ( أربعة آلاف ) حديث غير مكرر, و 7275 ( سبعة آلاف ومائتين خمسة وسبعون ) حديثًا بالأحاديث المكررة. [ شرح اختصار علوم الحديث , وضحى الإسلام ]

 

وعلى الرغم من هذه الغربلة ( التنقية ـ المعجم الوسيط ـ مادة : غربل ) الشديدة فقد أخذ بعض الفقهاء والعلماء كثيرًا من المآخذ على صحيح البخارى, وانتقد حفاظ الحديث فى 110 ( مائة وعشرة ) أحاديث, منها 32 ( اثنان وثلاثون ) حديثًا يتفق فيها مف مسلم و 78 (ثمانية وسبعون ) حديثًا انفرد بها وحده. كما قالو إن بعض من روى عنهم ليسوا ثقات, وأن بعضهم " ممن تقبل دعوته ولا تقبل روايته" ( أى أنه شبه أبله)         [ أحمد أمين ـ ضحى الإسلام ـ صفحة 116 وما بعدها ].

 

أما صحيح مسلم, الذى يضعه العلماء بعد صحيح البخارى, فإنهم يأخذون عليه أنه لم يتحرز فى الرواية تحرز البخارى, فروى عن متقنى الحفظ كما روى عن المستورين والمتوسطين, وهكذا ضعّف العلماء رواة الأحاديث من الرجال الذين استند مسلم إلى روايتهم بأكثر مما ضعّفوا رجال البخارى. [أحمد أمين ـ ضحى الإسلام صفحة 118 وما بعدها ]. وقد اشترط البخارى فى إخراج الأحاديث أن يكون الراوى قد عاصر شيخه وثبت عنده سماعه منه, ولم يشترط مسلم الشق الثانى ( وثبت سماعه منه ) بل اكتفى بمجرد المعاصرة. [ أحمد محمد شاكر ـ الباعث الحثيث فى شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ـ صفحة 18 ].

 

وفيما عدا هذين الصحيحين فإن كتب الحديث الأخرى المعتمدة هى : مسند أحمد بن حنبل ( 780 ـ 855 م ), وسنن أبى داود ( 817 ـ 888 م ), وسنن النسائى ( أبو عبدالرحمن بن شعيب 830 ـ 915 م ), وسنن ابن ماجه ( أبو عبدالله محمد بن يزيد 822 ـ 876 م ).

 

ويرى بعض العلماء أن مسند أحمد بن حنبل هو أعظم دواوين السنة, وفيه أحاديث صحاح كثيرة لم تُخَرّج فى الكتب الأخرى. [ أحمد محمد شاكر ـ الباعث الحثيث فى شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ـ صفحة 22 , هامش "1", ( المسند) للإمام أحمد أحمد بن حنبل هو عندنا أعظم دواوين السنة وفيه أحاديث صحاح كثيرة لم تُخَرّج فى الكتب الستة. كما قال الحافظ ابن كثير ].

 

ويرى آخرون أن إطلاق لفظ " الصحيح" على سنن الترمذى فيه تساهل, لأن فى هذه السنن أحاديث كثيرة منكرة, وأن إطلاق لفظ الصحيح على سنن النسائى قول فيه نظر, لأن فى هذا الكتاب رجالاً مجهولين, أما عينًا وإما حالاُ ( أى اسمًا ووضعًا ), وفيهم المجروح, وفيه أحاديث ضعيفة ومعللة ( ذات علل ) ومنكرة.

 

أسباب وضع ( نحْل أو اختلاق ) الحديث :-

 

أما الأسباب التى دعت إلى وضع ( نحل أو اختلاق ) الحديث فكثيرة:

 

( أولاً ) : فقد قُصر التشريع على ما جاء فى القرىن الكريم والسنة النبوية فقط, ولما كانت الحياة متحركة متجددة فقد نشأت واقعات وأحداث لا حكم لها فى القرآن الكريم أو السنة النبوية, ومن ثم, اضطر بعض الفقهاء ـ عند استخراج حكم جديد للواقعة الجديدة أو الحادثة الناشئة ـ أن يصوغوا الحكم فى صورة قاعدة تُعَنْعَن ثم تُنءسب إلى النبى على أنها حديث صدر عنه, وبذلك تُسبغ على القاعدة حجية شرعية, باعتبار أنها صدرت عن النبى  صاحب الحق فى التشريع.  

 

وفى ذلك قال أبو العباس القرطبى ( صاحب كتاب المفهم فى شرح صحيح مسلم ) : " استجاز بعض أهل الرأى نسبة الحكم الذى دل عليه القياس الجلى إلى رسول الله (ص) نسبة قولية, فيقولون فى ذلك: قال رسول الله ( ص) كذا !! , ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها أنها موضوعة, لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ... ". [ أحمد محمد شاكر ـ الباعث الحثيث فى شرح اختصار علوم الحديث للحافظ ابن كثير ـ صفحة 7 ].

 

( ثانيًا ) : وقد أدت المنازعات السياسية بين المسلمين إلى أن يضع كل فريق أحاديث تؤكد أفضليته وحقه فى خلافة المسلمين, ومن ثم فقد وُضِعت أحاديث كثيرة بهذا المعنى عن أبى بكر, وعن على بن أبى طالب, وعن الأمويين وعن العباسيين ... وهكذا. [ يُراجع كتابنا " الخلافة الإسلامية" ].

 

( ثالثًا ) : وكان للخلاف بين الفرق الدينية أثرر كبير فى وضع ( نحل أو اختلاق ) الأحاديث, فوُضِعَت أحاديث نصرة لفرقة أو تصف أخرى كالخوارج والقدرية وغيرهم بالسوء والكفر والخروج عن الملة. [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ , وضحى الإسلام ـ المرجع السابق ـ صفحة 124 وما بعدها ].

 

( رابعًا ) : ووضع الزنادقة أحاديث كثيرة أرادوا أن يفسدوا بها الناس على دينهم لما جال فى نفوسهم من الرغبة فى الكيد للإسلام والمسلمين, فكانوا يظهرون بين الناس بمظهر التقاة, وهم المنافقون.

 

قال حماد بن زيد :" وضعت الزنادقة على رسول الله ( ص) أربعة عشر ألف حديث" . ومن هؤلاء الزنادقة عبد الكريم بن أبى العوجاء الذى قتله محمد بن سليمان أمير البصرة سنة 160 هـ فى خلافة المهدى ( 158 ـ 169 هـ /  755 ـ 785 م ), ولما اُخذ لتُضرب عنقه قال:" لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث, أحرم فيها الحلال وأحلل الحرام ", ومن هؤلاء الوضاع محمد بن سعيد بن حسان الأسدى الشامى الذى قال عنه أحمد بن حنبل :" قتله أبو جعفر المنصور ( 136 ـ 158 هـ / 745 ـ 775 م ) فى الزندقة, حديثه حديث موضوع " ومنهم ـ كذلك ـ كبْيان بن سمعان الهندى الذى قتله خالد بن عبدالله القسرى, ثم أحرقه بالنار, لأنه وضح أحاديث عن ألوهية على بن أبى طالب. [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ].

 

ومن وضاع الحديث أصحاب الأهواء والميول التى لادليل لها من الكتاب والينة, مثل الخطابية والرافضة وغيرهم, إذ وضعوا الأحاديث تشيعًا لأهوائهم وما يميلون إليه, وفى ذلك يقول عبد الله بن يزيد المقرئ : " إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول :" انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه !. فـإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا ".

 

وقال حماد بن سلمة:" أخبرنى شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث" [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 70 ].

 

( سادسًا ) : وكان بعض القصاصين يضعون الأحاديث فى قصصهم قصد التكسب والارتزاق. , وتقربًا للعامة بغرائب الروايات المدعمة بالأحاديث. وقد كانوا فى ذلك يلجأون لكلام بعض الحكماء أو يقعون على الأمثال العربية فيركبون لها إسنادًا مكذوبًا, ثم ينسبونها إلى النبى على أنها أحاديثه.

 

( سابعًا ) : ووضع البعض أحاديث إرضاء للخلفاء, كما فعل غياب بن إبراهيم النخعى إذ دخل على المهدى ( 158 ـ 169 هـ / 775 ـ 785 م ), وأمامه حمام يلعب به فقال له :" عن فلان عن فلان أن النبى قال : لاسبق إلا قى نصل أو خف أو حافر أو جناح" , فأمر له المهدى ببدرة " أى صرة من المال".

وكان مقاتل بن سليمان البلخى, من كبار العلماء بالتفسير, يتقرب إلى الخلفاء بمثل ذلك, أى بوضع الأحاديث التى تروقهم. [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 72 ].

 

( ثامنًا ) : كما وضع ( نُحل أو أختلق ) الأحاديث قوم ينسبون أنفسهم إلى الزهد والتصوف, لم يتحرجوا فى وضع الأحاديث فى الترغيب والترهيب أو فى بيان محاسن بعض سور القرآن, وكان بعضهم يقول فى ذلك : نكذب له ( أى النبى ) ولا نكذب عليه.

ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة الحديث المروى عم أبى كعب مرفوعًا فى فضئل القرآن سورة سورة, وقد ذكره بعض المفسرين فى تفاسيرهم كالثعلبى والواحدى والزمخشرى والبيضاوى دون أن ينتبهوا إلى الخطأ. [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 73 ].

 

( تاسعًا ) : ووضع البعض أحاديث فى فضل البلاد, كأن تمتدح الشام فى العهد الأموى, وتذكر فضائل بغداد والكوفة ( من قبل أن تؤسس ) فى العهد العباسى ... وهكذا.

 

( عاشرًا ) : ومما يدخل فى باب وضع الأحاديث, بحال من الأحوال, رواية البعض للأحاديث بالمعنى, لايتقيد فيه بألفاظ النبى, وفى ذلك قال سفيان الثورى: " إن قلت لكم إنى أحدثكم كما سمعت فلا تصدقونى, إنما هو المعنى".

ومتى لجأ امرؤٍ إلى ألفاظه هو ليعبر بها عن معنى قَصَدَه غيره, فإن تلك مقدمة لأن ينزع بعد ذلك إلى معانيه هو, ربما خلطًا منه بين ما هو وما هو لغيره, ولعله يفعل ذلك عن حسن نية, أو سوء تدبير, أو قساد قصد, أو خطأ مرمى, أو خطل اتجاه, أو ما إلى ذلك. [ راحع كتابنا ـ معالم الإسلام ـ صفحة 155 ].

 

وحتى غذا لم يلجأ إلى هذا, واقتصر على التعبير بلفظه عن معنى سنعه من النبى فإن الفارق بين التعبيرين وارد ومحتمل بل ومترجح. إذ قد يختلف التعبير باللفظ عن الألفاظ السابقة ( التى قال بها النبى الحديث ) فى حرف أو فى كلمة أو فى ضمير إو فى زمن(ماض, مضارع, مستقبل ) أو غير ذلك, مما يمكن معه أن يتغير المعنى تغييرًا جزئيًا أو كليًا.

 

ضوابط بيان الحديث الصحيح:-

 

ونظرًا لكل هذه الإتجاهات فى وضع ( نحل أو اختلاق ) الأحاديث, فقد حاول علماء الحديث وضع ضوابط لاستخلاص الحديث الصحيح من الموضوع, يمكن نحديدها فيما يلى:

 

(1) ألا يكون شخص قد أقر بوضع الحديث [اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 67 هامش رقم 1 ]. مثال ذلك ما رواه البخارى فى التاريخ الأوسط عن عمر بن صبح بن عمران التميمى أنه قال:" أنا وضعت خطبة النبى", وكذلك ما أقر به ميسرة بن عبد ربه الفارسى أنه وضع أحاديث فى فضائل القرآن, وأنه وضع فى فضل على بن أبى طالب سبعين حيثًا. وكما أقر أبو عصمة نوح بن أبى مريم, الملقب بنوح الجامع, أنه وضع على عبد الله بن عباس أحاديث فى فضائل القرآن سورة سورة.

 

(2) اختبار سلسلة الرواة بحيث يكون كل منهم عدلاً روى عن عدلٍ, وألا يكون الراوى فد عاش فى غير زمن المروى عنه (  أى ليس معاصرًا  له ), وأن يكون غير مجرح, وهذا ما يُعرف فى علم الحديث بالجرح والتعديل.

 

غير أن تقدير جامع الحديث لكل شخص يختلف بينه وبين ىخر, فبينما يرى أحدهم أن راويًا ما غير عدل أو مُجرح, لايراه الثانى كذلك. يضاف إلى هذا أن الشروط التى وضعت لقبول الحديث عن الراوى اختلفت من جامع لآخر, فلقد سلف بيان أن البخارى اشترط فى إخراج الحديث أن يكون الراوى قد عاصر شيخه ( أى من يُروى عنه ) , وثبت عنده سماعه منه, بينما لم يشترط مسلم مبدأ السماع عن المروى عنه, واكتفى بمجرد معاصرتهما لبعض, هذا فضلاً عما سلف بيانه من أن جامعى السنن ( مثل أبى داود السجستانى ) لم يتشددوا فى الرواية والرواة تشدد الصحيحين. ومن هذه الفروق فى الشروط, وفى التقدير, اختلفت الأحاديث المروية فى كتب الأحاديث, ففى حين ذُكر بعضها فى أحد الكتب           ( الدواوين ), فإنها لم تذكر فى كتب أخرى. ولهذه الأسباب فقط صح للبخارى 2726 حديثًا غير مكرر من جملة مائتى ألف حديث جمعها, بينما صح لمسلم 4000 حديث غير مكرر, أى الفارق فى الأحاديث الواردة فى الصحيحين 1238 حديثًا, وهو فارق غير قليل بين أصح كتابين من كتب الحديث, لايمكن التجاوز عن, أو إغفال دلالته التى تقتضى التحرز فى قبول الأحاديث عمومًأ.

 

على أنه يؤخذ على مبدأ جرح وتعديل الرواة, أى ضرورة صحة الإسناد, أن بعض واضعى الأحاديث وضعوا لها إسنادًا صحيحًا, بحيث لايمكن التحقق من وضع الإسناد إلا إذا أقر واضع الحديث وواضع إسناده بذلك, أما بعد عصور من هذا الوضع فإن مخرج الحجيث يجد نفسه مضطرًا إلى أن يأخذ السند على علاته لصعوبة ـ بل استحالة ـ تتبع سلسلة الواة بعد أن توفاهم الله منذ آماد سابقة على عمله.

 

وقد روى, فى وضع الإسناد, أن شخصًا يدعى أبو حاتم البستى دخل مسجدًا فسمع شابًا يقول :" حدثنا أبو خليفة حدثنا لابو الوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس فقال: ثم ذكر حديثًا". فسأله أبو حاتم:" هل رأيت أبا خليفة ( الذى روى عنه )؟, قال: لا, قال: كيف تروى عن ولم تره؟, فقال الشاب: إن المتقشة معنا من قلة المروءة!, أنا أحفظ هذا الإسناد, فكلما سمعت حديثًا ضممته إلى هذا الإسناد". [  اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 71 ].  

 

وقيل لمأمون بن أحمد الهروى:" ألا ترى إلى الشافعى ومن تبعه بخراسان؟ فقال : حدثنا بن عبداله ( كذا فى لسان الميزان جزء 5 صفحة 7 ـ 8, وفى التدريب ص 100 أحمد بن عبد البر ) حدثنا عبدالله بن معدان الأزدى عن أنس, مرفوعًا, قال: يكون فى أمتى رجل يقال له محمد بن إدريس, أضر على أمتى من إبليس, ويكون فى أمتى رجل يقال له أبو حنيفة, هو سراج أمتى " !!. [ اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 68 ].

 

فالوضع فى هذا القول واضح, لكن الواضع لم يفته وضع سند صحيح.

 

(3) عدم مخالفة المتن ( النص ) للعقل, أى ضرورة أن يكون المنقول موافقًا للمعقول, وأن يكون النص مقبولاً عقلاً, غير ظاهر الركة فى المعنى, حتى وإن لم ينضم إلى ذلك ركة اللفظ. [  اختصار علوم الحديث ـ المرجع السابق ـ صفحة 68 ].

 

ومع أهمية هذا الشرط, فإن المسلمين أسقطوه, مقصرين تقدير الموافقة العلقلية على جامع الحديث وحده, فإذا انتهى الأمر بإدراج الحديث فى أحد الكتب ـ الصحاح أو المسانيد أو السنن , أو حتى غيرها ـ صارت المعقولية قائمة فى الحديث المدرج, بحيث لايجوز لأى شخص آخر أن يعمل عقله بعد ذلك. بل عليه أن يبرر ويسوغ, وإلا عد منكرًا للحديث, خارجًا عن الملة فى رأى البعض. فوجود الحديث فى أى كتاب, ولو كان من الكتب الثانوية أو المرجوحة أو المعلولة ( ذات العلة ) كافٍ لمنع العقل من تقدير متنه ( نصه ) على موازين السلامة الفكرية ومعايير الصحة العقلية. وبذلك يكون هذا الشرط ( عدم ركة المعنى, وعدم مخالفة المنقول للمعقول ) شرطًا نظريًا لا يُعمل به حقيقة. على تقدير أن جامعى كتب الأحاديث قد أعملوه, ولم يعد من الجائز لأحد من بعدهم أن يُقَوّم عملهم بموازين فكرية ولو كانت جديدة, أو يُراجع تقديرهم بمعايير عقلية وإن كانت واضحة وضوح الشمس.

 

ومن الأحاديث الثابتة ـ فى صحيح الخارى, المعتبر أن أصح كتب الحديث ـ وتتنافى مع العقل وتتجافى مع المنطق أحاديث كثيرة, نذكر منها ثلاثة:-

( أ ) { إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى احد جناحيه شفاء وفى الآخر داء } [ رواه أبو هريرة وأخرجه ابن ماجه أيضًا ـ فى الطب ].

وهو حديث واضح المخالفة للعقل والمجانية للذوق, ولو قوم طبقًا لهذه المعايير لتعين تجاوزه, أو على الأقل لعُد متوافقًا مع ظروف عصره فحسب.

 

( ب ) { تدرى أين تذهب ( الشمس ) ... قال النبى: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها, ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها, وتستأذن فلا يؤذن لها, يقال لها ارجعى حيث جئت فتطلع من مغربها, فذلك قوله تعال { والشمس تجرى لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم }}    [ رواه أبو ذر وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذى والنسائى ].

والمعلوم حاليًا فى المعارف البشرية والعقل افنسانى وصميم العلوم أن الشمس لاتتحرك نحو المغرب, ولكن الأرض تدور من المغرب إلى المشرق حول الشمس, وإن الشمس لاتسجد وإنما تُشرق فى أماكن أخرى حتى تصل إلى منطقة الشرق الأوسط.

ومؤدى ذلك أن التسليم بصحة الحديث يلغى كل المعارف العلمية والمفاهيم العقلية, وهو مالا يدعو إليه الإسلام, بل يأمر بضده.

 

( جـ ) { إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى, أدرك ذلك لا محالة }. وتقدير هذا الحديث وفقًا لضوابط العقل ومعيير الإسلام وموازين القرآن يجعله محل نظر, لأنه يلغى مبدأ الحرية الشخصية التى قررها القرآن : { بل الإنسان على نفسه بصيرة } [ سورة القيامة 75 : 14 ], { وما أصابك من سيئة فمن نفسك } [ سورة النساء 4 : 97 ], { وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقطنون } [ سورة الروم 30 : 36 ]. يضاف إلى ذلك أن الحديث يسقط مبدأ المساءلة أو لا يجعلها على إثم اقترفه الشخص بإرادته. فما دام حظه من الزنى قد قُدر عليه فأين يهرب من قدره؟!, وهل يستطيع إنسان ذلك ؟, ولم يعاقب على قدر لم يختره لنفسه ولم يقترب من بإرادة حرة واعية؟!.

 

طبيعة الأحاديث:-

 

ونظرًا لأن هذه الأحاديث كلها أحاديث آحاد فقد ثار فى الفكر الإسلامى جدل كبير حو هذه الأحاديث.

فثم تقسيكات متعددة للأحاديث أهمها ـ من حيث رواية الحدث ـ أن الأحاديث ( السنة ) المنقولة عن النبى هى أحاديث متواترة, وأحاديث مشهورة أو مستفيضة, وأحاديث آحاد. [ زكريا البرى: أصول الفقه الإسلامى ـ صفحة 49 وما بعدها / محمد زكريا البرديسى: أصول الفقه ـ صفحة 198 وما بعدها / عباس متولى: أصول الفقه ـ صفحة 78 وما بعدها / عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه وتاريخ التشريع الإسلامى ـ صفحة 30 ومابعدها / أحمد أبو الفتوح: المختارات الفتحية ـ صفحة 38 وما بعدها ].

 

1 ـ فالأحاديث المتواترة هى ما رواها عن النبى فى عصور الصحابة والتابعين وتابعى التابعين, جمع يمتنع تواطؤهم واتفاقهم على الكذب عادة. وأمثلة هذه الأحاديث , الأحاديث العملية مثل الصلاة التى لم يرد بيانها فى القرآن الكريم, ونقلت عن النبى الذى قال: " صلوا كما رأيتمونى أصلى", وكذلك الحج والعمرة ( وقد كانت شعائرها معروفة فى عصر ما قبل الإسلام, وغير الإسلام فى التكبيرة الخاصة بعدم وجود شريك لله ) وأخذت الشعائر عن النبى الذى قال:" خذوا عنى مناسككم".

 

أما الأحاديث القولية, فإن الفقهاء لم يتفقوا على تواتر أى حديث من الأحاديث بلفظه, وقال البعض إن ثمة حديثًا واحدًا ثبت فيه التواتر هو حديث:" من كذب علىّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار". [ زكريا البرى ـ أصول الفقه الإسلامى ـ ص 49 ].

 

والسن المتواترة قطعية الورود عن النبى ومن ثم يعمل بها ـ فى المسائل العقائدية ـ ما دام التواتر يوجب العلم اليقينى.

وتواتر الحديث بالنقل والتدوين ـ بعد عصور الصحابة والتابعين وتابعى التابعين ـ لايجعل الحديث متواترًا, لأن نقله فى العصور الثلاثة التى كان عماد الرواية فيها على المشافهة والسماع لم يكن متواترًا, ولذلك لايقطع بصحة مثل هذا الحيث وثبوته. [ زكريا البرى ـ أصول الفقه الإسلامى ـ ص 50 ].

 

2 ـ أما الأحاديث المشهورة أو المستفيضة فهى تلك التى رواها عن النبى صحابى أو جمع لم يبلغ حد التواتر, ثم رواها فى عصر التابعين وعصر تابعى التابعين جمع بلغ حد التواتر.

 

ومثل هذه الأحاديث الحديث الذى رواه عمر عبد الخطاب عن النبى قال: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" .. وحديث " بنى الإسلام على خمس .. ".

 

والفرق بين الأحاديث المتواترة والأحاديث المشهورة أن الأحاديث المتواترة رويت بطريق التواتر فى العصور الثلاثة الأولى ( عصر الصحابة وعصر التابعين وعصر تابعى التابعين ). أما الأحاديث المشهورة فلم يتحقق فيها التواتر إلا فى عصر التابعين وتابعى التابعين, بمعنى أنه لم يتحقق لها تواتر فى عصر الصحابة.

 

والأحاديث المشهورة لاتفيد القطع واليقين بروايتها عن النبى, وإنما تفيد الظن القريب من اليقين. [ زكريا البرى ـ أصول الفقه الإسلامى ـ ص 51 ].

 

3 ـ أما الأحاديث الآحاد فهى تلك التى رواها عن النبى عدد لم يبلغ حد التواتر فى عصر التابعين وعصر تابعى التابعين, وتسمى ـ لذلك ـ أخبار الآحاد, لأنها ما تكون قد رويت من واحد عن واحد عن واحد, وهكذا. وأغلب الأحاديث من هذا النوع.

 

وهذه الأحاديث تفيد الظن " الراجح" بنسبتها إلى النبى ولا تفيد القطع كالأحاديث المتواترة, ولا تفيد التقرب من القطع كالأحاديث المشهورة.

 

ولأن أحاديث الآحاد ظنية, وليست قطعية ولا قريبة من القطعية, فإن بعض المذاهب والفرق الإسلامية انتهت, منذ وقت مبكر فى تاريخ الإسلام, إلى رفضها وإنكار حجيتها وعدم العمل بها, من هذه المذاهب والفرق: الشيعة والمعتزلة والرافضة وبعض الخوارج. [زكريا البرى ـ أصول الفقه الإسلامى ـ ص 52 هامش "1" / عباس متولى ـ صفحة 85 ].

 

وثم عدد من غير هؤلاء ينكر حديث " سنة الآحاد " [ زكريا البرى ـ أصول الفقه الإسلامى ـ ص 51 , 52]. ولا يرى له حجية, ويذهب إلى عدم العمل به.

 

أما غير هؤلاء وهؤلاء " من الجمهور" فيرون عدم الأخذ بأحاديث الآحاد فى الأمور الاعتفادية التى تتصل بالدين أو تتعلق بالشريعة, لأن هذه الأمور ينبغى أن تبنى على القطع واليقين ولا تقوم على الظن الذى لا يغنى من الحق شيئًا, ولكن يؤخذ بهذه الأحاديث فى الأمور العملية, أى فى شئون الحياة الجارية متى ترجح صدقها " أى بعد اتباع المعايير الشكلية والموازين الموضوعية التى تفيد صحة الإسناد وسلامة ـ أى معقولية ـ المتن".

 

ومفاد ذلك أن أحاديث الآحاد ليست فريضة دينية, ولا واجبًا دينيًا, وأن من ينكر استقلالها بإثبات الفروض أو الواجبات الدينية لايكون قد أنكر شيئًا من الدين, ولا يكون آثمًا أو عاصيًا أو كافرًا.

 

فالفريضة [ يرى أغلب الفقهاء أن الفريضة هى ما ألزم الشارع المكلف به بدليل قطعى لاسبهة فيه. والواجب هو ما ألزم الشارع المكلف به بدليل ظنى فيه شبهة, أو فيه شبهة العدم, وهو خبر الآحاد. وهذه التعريفات هى ما ننتقده فى المتن, ونستبدل بها غيرها, إذ من غير المعقول أن يثبت واجب دينى بدليل فيه شبهة العدم. مع ما للواجب الدينى من خطورة اعتبار تاركه آثمًا أو عاصيًا وربما كافرًأ ] هى مافرضه الله أركانًا للإيمان. بعد الشهادة ـ بدليل قطعى لاشبهة فيه, والفرائض ـ بذلك ـ عند أهل السنة ـ أربع : الصلاة والصوم والزكاة والحج. وهى ـ عند الشيعة ـ خمسة بإضافة الإمامة إلى الفرائض الأربع المنوه عنها. [ كثيرًا ما يطلق الحنيفية لفظ الفرض على ما هو ثابت بدليل ظنى والواجب على ما هو ثابت بدليل قطعى. أى أنهم ـ على عكس غيرهم ـ يبادلون بين لفظى الفرض والواجب, فيقولون إن الوتر " أى صلاة الوتر" فرض, لثبوته بدليل ظنى هو حديث النبى " الوتر حسن فمن لم يوتر فليس منى". والصلاة واجب لثبوتها بدليل قطعى هو قوله تعالى: " إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا". والفرض عند الحنفية قسمان: "أ" فرض اعتقادى عملى هو ما ثبت بدليل قطعى لاشبهة فيه كفرضية الصلاة. "ب" وفرض عملى وهو ما ثبت بدليل ظنى كفريضة الوتر, ويرون الحنفية أن الفرض العملى إذا أنكره المكلف لايعد كافرًا, ويرى الشافعية ومن يذهب معهم فى الرأى, أن الفرض والواجب متردفان ].

 

والواجب هو ما أوجبه الله على عباده بدليل قطعى لاشبهة فيه, مثل قراءة القرآن: { فاقرأوا ما تيسر من القرآن } [ سورة المزمل 73: 20 ], وطاعة الوالدين: { وإن جاهداك على أن تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا معروفًا } [ سورة لقمان 31 : 15 ], وعدم دخول البيوت بغير إذن: { يا أيها الذين آمنوا لاتدخلوا بيوتًا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها } [ سورة النور 24: 27].

 

ومن أنكر استقلال أحاديث الآحاد فى إثبات الفروض أو الوجوب أو التحريم لايعد منكرًا لشئ من الدين " فلا هو آثم ولا هو عاص ولا هو كافر", لأنه أنكر شيئًا اختلف فيه الأئمة, وينبنى على الظن.

 

وقد صدرت فتوى من الأزهر ـ بتارخ أول فبراير 1990 ـ جاء بها :" إن الإيجاب "الوجوب" والتحريم لايثبتان إلا بالدليل اليقينى القطعى الثبوت والدلالة. وهذا بالنسبة للسنة " الأحاديث" لايتحقق إلا بالأحاديث المتواترة, وحيث إنها " هذه الأحاديث المتواترة" تكاد تكون غير معلومة, لعدم اتفاق العلماء عليها, فإن السنة " الأحاديث ط لاتستقل بإثبات الإيجاب " الوجوب " والتحريم إلا أن تكون فعلية " وهى المتواترة كالصلاة والحج والعمرة " أو تضاف إلى القرآن الكريم " أى يقوم عليها دليل مستقل من القرآن تنضم إليه". [ نشر نص الفتوى فى جريدة الأحرار المصرية بتاريخ 5 /8/1993 ].

 

وقد قال بعض الفقهاء بأن أحاديث الآحاد تلزم فعل ما ورد بها, فرضًا أو وجوبًا, وهوتقدير خاطئ يؤدى إلى نتائج غريبة لم تخطر لهم على بال:

أولاً: كيف تكون ثم فرق بأكملها ـ كالشيعة مثلاً ـ تنكر هذه الأحاديث, ثم يقال إنها تلزمهم أو تفرض عليهم أو توجب عليهم فعل ما ورد بها؟, وما نتيجة عدم العمل بهذه الأحاديث؟, هل يمكن اتهام فرقة معاصرة ـ ومذهب معترف به كالمذهب الجعفرى الشيعى ـ بإنكار شئ من الدين؟, وما حكم من يرى اتباع هذا المذهب فيما يراه؟.

ثانيًا: وكيف يكون الأصل أن أحاديث الآحاد لا تستقل بإثبات وجوب أو تحريم, ثم يقال ـ بعد ذلك ـ بوجود أو فرض العمل به؟

ثالثًا: وكيف يكون الرأى أن أحاديث الآحاد مما يؤخذ به فى الأمور الاعتقادية أساسًا, ثم يقال ـ بعد ذلك ـ أنها توجب واجبًا أو تفرض فرضًا؟.

رابعًا: وكيف يجوز لأى شخص ـ غير الشيعة ومن عداهم من أهل الجماعة ـ إنكار استقلال أحاديث الآحاد بإثبات الوجوب والفرض دون أن يعد المنكر منكرًا لشئ من الدين " لأنه أنكر شيئًا اختلف فيه الأئمة", ثم يتعين بعد ذلك على المنكر أن يعمل بحديث ـ يحق له إنكار ـ وإلا عد آثمًا أو عاصيًا أو كافرًأ؟.

 

إن قول القائلين بأن أحاديث الآحاد تفرض فروضًا دينية أو توجب واجبات دينية, حدث نتيجة الخلط بين لفظى الفرض والواجب, وإثرًا لعدم وضع تعريفات محددة قاطعة ـ جامعة مانعة ـ لما يعد فرضًا وما بعد واجبًا [ يلاحظ أن لفظ " الفرض" فى القرآن يفيد حدود الله كما يفيد النصيب المقدر فى الميراث ]. وترتيبًا على انعدام النظرة التكاملية وافتقاد المنهج النقدى, وقد كان من نتيجة ذلك حدوث قلقلة واضطراب وتشويش فى جانب من الفقه الإسلامى, ثم امتداد هذا الخلط إلى الفكر الإسلامى والشئون العلمية, نتيجة لعتامة الألفاظ وغموضها واختلاطها, فأصبح يقال أن الجهاد فريضة والحجاب فريضة والسياسة فريضة .. وهكذا, مما ققد يوحى للمستمع أن ما يوصف بأنه فريضة قد فرض من الله أو بأحاديث متواترة, الأمر الذى يبدل المفاهيم الدينية تمامًا ويغير من الفروض الشرعية كلية, ويخلط القول الظنى بالقرآن الكريم أو يمزج الرأى الفردى بالشريعة الإسلامية, وهى نتائج تفرض على المسلمين, مالم يفرضه الله, وتجعل لحديث الآحاد الظنى المتشابه غير المحكم واقع النص القرآنى أو حكم الشرع الإسلامى, بل قد تغير من أحكام هذا وذاك, وتضيق الحياة على المؤمنين حين تجعلهم فى كل فعل أو تصرف أو قول أو لفظ معرضين للوقوع فى المحظور, واقتراف الآثام, واجتراح الحرمات, مع أن الدين يسر لا عسر, ولايجوز لأحد مهما كان أن يفرض على المسلمين ما لم يفرضه الله, نتيجة للتلاعب بالألفاظ أو عدم وضح فهمه أو نتيجة لقصور تعبيره.

 

ولبيان ذلك فى تطبيق عملى, يمكن تتبع الأثر فى أحاديث خمسة من أحاديث الآحاد:

1 ـ ففى الحديث: { إذا وقع الذباب فى إناء أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه فإن فى احد جناحيه شفاء وفى الآخر داء } [ رواه أبو هريرة وأخرجه ابن ماجه أيضًا ـ فى الطب ].

فهل ما جاء فى الحديث يعد فرضًا دينيًا أو واجبًا دينيًا, يكون تاركه عاصيًا أو آثمًا؟ أو عند التشدد كافرًا؟ وهل إذا عافت نفس شخص أكل طعام وقع فيه الذباب يعتبر أنه قد ترك فرضًا دينيًا أو تخلف عن واجب دينى, بما يترتب على ذلك من تداعيات؟.

 

2 ـ وفى الحديث: { خالفوا المشركين, وفروا اللحى وأحفوا الشوارب }, رواه ابن عمر وأخرجه البخارى. [ اخرجه مسلم " جزوا الشوارب وأرخوا اللح وخالفوا المجوس" فالتبيان بينه وبين ما أخرجه البخارى جاء التخالف بين لفظى " حفوا" و " جزوا" ولفظى " وفروا" و        " ارخوا" وبين لفظى " المشركين" و " المجوس" وهو خلاف ليس هينًا ].

فهل إذا لم يأخذ أحد بهذا الحديث, وأغلب الناس حتى علماء الدين ورجال المؤسسات الرسمية التى يتصل عملها بالدين, والوعاظ والدعاة وغيرهم لايأخذ به, هل يؤدى ذلك إلى اعتبارهم جميعًا تاركين لفرض دينى؟, مسقطين لواجب دينى, أو هل يعدون جميعًا عصاة آثمين؟!.

 

3 ـ وفى الحديث : { الناس تبع لقريش فى هذا الأمر } أى فى الولاية وفى الحكم وسياسة أمور الناس ـ بلغة العصر الحديث ـ رواه أبو هريرة وأخرجه البخارى, والحديث متفق عليه. [ دكتور فنسك ـ مفتاح كنوز السنة ـ تعريب محمد فؤاد عبد الباقى ـ دار إحياء التراث العربى بيروت, صفحة 406. ويلاحظ أن حديث " الأئمة من قريش" لم يرد فى الصحيحين " البخارى ومسلم" ولا فى كتب الحديث المعتمدة وإنما ورد فى مسند الطيالسى وحده, س6].

هل هذا الحديث يفرض على المسلمين جميعًا أن يتركوا الولاية لقريش كفرض دينى أو واجب دينى؟, وما حكم الخلافة الإسلامية فى بيت آل عثمان ـ غير القريشيين ـ من سنة 1517 حتى 1924؟, وما شرعية كل الحكومات فى كل البلاد الإسلمية عدا بلدًا أو بلدين؟, هل يعد الشعب والحكام قد خالفوا فرضًا دينيًا أو واجبًا دينيًا, أى أنهم جميعًا آثمون عصاة, ومع التشدد والتنطع, كفار بغاة؟.

 

4 ـ وفى الحديث: { لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذى هو خير وتحللتها } رواه أبو موسى الأشعرى, أخرجه البخارى , والحديث متفق عليه. [ مفتاح كنوز السنة ـ صفحة 69 ].

فهل إذا رأى مسلم ألا يجحد يمينه وأن يلتزم عهده يكون آثمًا عاصيًا وربما كافرًأ لأنه فريضة دينية وخالف واجبًا دينيًا ؟.

 

5 ـ وفى الحديث: { اجعلوا فى بيوتكم من صلاتكم ولا تتخذوها قبورًا } رواه ابن عمر وأخرجه البخارى.

هذا حديث ينهى عن اتخاذ القبور مساجد يصلى فيها, فما هى حال المسلمين الذين يخالفون الحديث, وفى مصر ـ مثلاً ـ ثمة مساجد أقيمت على أضرحة مثل مسجد الإمام الحسين والسيدة زينب والسيدة نفيسة والإمام الشافعى والسيد أحمد البدوى والسيد إبراهيم الدسوقى والسيد مرسى أبو العباس والسيد عبد الرحيم القنائى وغيرهم كثير, هل يعتبر المسلمون الذين يصلون فى هذه المساجد آثمين عصاة وربما كفارًا لمخالفتهم فرضًا دينيًا ومجانبتهم واجبًا دينيًا؟, وهل تعد كل الحكومات كافرة لأنها سكتت عن الناس وهم يبنون المساجد على القبور ويأمون هذه المساجد للصلاة؟.

 

إن الوهابيين يأخذون بنص الحديث ويعتبرونه فرضًا دينيًا أو واجبًا دينيًا, فلا يقبلون الصلاة فى مساجد أقيمت على قبور, فما حكم باقى المسلمين الذين يصلون فى مثل هذه المساجد فى كل البلاد الإسلامية؟.

 

وقتية الأحكام:-

 

أثار بعض الفقهاء مسألة وقتية الأحكام بالنسبة لأحاديث سنة الآحاد, ويعنى ذلك تأقيت الحكم فى حديث معين, بوقت بذاته وعصر محدد, ذلك أن هؤلاء الفقهاء يرون أنه فيما صدر عن النبى حتى من تشريعات, ما يفيد أنه تشريع وقتى روعى فيه ظروف العصر. فقد يأمر النبى بالشئ أو ينهى عنه, فى حالة خاصة لسبب خاص, فيفهم الصحابة أو الناس أنه حكم مؤبد بينما هو فى الحقيقة حكم وقتى.

 

وأضاف هؤلاء الفقهاء أنه كان لعدم الفصل بين النوعين من الأحكام: المؤبد والوقتى أثر كبير فى الخلاف بين المسلمين. فقد يرى بعض الفقهاء حكمًا للنبى يظنون أنه شرع عام أبدى لايتغير بينما يراه الآخرون صادرًا عنه لعلة وقتية وأنه حكم جاء لمصلحة خاصة قد تتغير على مر الأيام.  [ عبد الوهاب خلاف ـ مجلة القانون وللاقتصاد ـ عدد إبريل / مايو 1994 صفحة 259 , محمد مصطفى شلبى ـ تعليل الأحكام ـ طبعة سنة 1949 صفحة 28 ].

 

من هذا المظر, يمكن أن يُعاد تقدير أحاديث الآحاد تقديرًا جديدًا, وتجاوز ما ينتهى الرأى أنه حكم وقتى خاص بعصره أو مجتمعه.

 

وقد رأى بعض آخر من الفقهاء أن الأحاديث التى صدرت عن النبى فيما يتعلق بالطب والزراعة والطعام والحرب وما يماثلها, أحاديث تتضمن خبرته الذاتية وخبرة مجتمعه فى هذه المسائل, ولم تصدر عنه بمقتضى الوحى.

 

ومن هذا الفهم, يمكن أن يعاد ترتيب وتبويب أحاديث الآحاد على نحو جديد, يمايز بين ما صدر عن الوحى وما صدر عن الخبرة.

 

الحديث والحجاب:-

 

متى استقام الأمر إلى حقيقة أحاديث سنة الآحاد, وحجيتها, وأنها أحاديث ظنية لايؤخذ بها فى المسائل الاعتقادية, فلا هى تتصل بالدين ولا هى تتعلق بالشريعة, وأنه يمكن إنكار استقلالها بفرض الفروض الدينية أو بإيجاب الواجبات الدينية, دون أن يؤخذ على المنكر شئ, متى استقام كل ذلك, فإن السياق يقتضى تطبيق النتائج على موضوع الحجاب ـ بالمعنى الدارج حاليًا والذى يعنى وضع غطاء على الرأس ـ لبيان حجية الحديث الذى يقيم عليه الداعون إلى هذا الحجاب دعواهم.

 

والحديث يقول: { إذا عركت " بلغت المحيض" المرأة, لم يصح أن يظهر منها إلا هذا وهذا, وأشار النبى إلى وجهه وكفيه }, رواه أبو داود فى سننه, ولم يرد لا فى صحيح البخارى ولا فى صحيح مسلم وى فى مسند ابن حنبل ولا فى سنن النسائى ولا فى سنن ابن ماجه " وهى كتب أو دواوين الأحاديث المعتمدة والمعتبرة صحاحًا ".

 

وهذا الحديث حديث آحاد يرى كثيرون أنه ضعيف لأن أبا داود, مخرج الحديث, قال عنه أنه مرسل لأن خالد بن بريك الذى رواه عن عائشة لم يدركها ( أى أنه لم بعش فى حياتها ), وعلى ذاك فإن الحديث لايصلح للاحتجاج به. [ عبد الحليم أبو شقة ـ تحرير المرأة فى عصر الرسالة ـ الجزء الرابع ـ صفحة 313 ].

 

وإذ كان بعض علماء الحديث يقولون: كل حديث قوى ضعفناه, وكل حديث ضعيف قوّيناه, فقد حاول بعضهم تقوية هذا الحديث بأقوال بعض الصحابة, قال البيهقى : " مع هذا الرسل ( أى بالإضافة إلى هذا الإرسال ) قول من مضى من الصحابة فى بيان ما أباح الله من الزينة الظاهرة فصار القول بذلك قويًا " وعقب ناصر الدين الألبانى " ووافقه الذهبى فى تهذيب سنن البيهقى " [عبد الحليم أبو شقة ـ تحرير المرأة فى عصر الرسالة ـ الجزء الرابع ـ صفحة 205 ]. والصحابة الذين يشير إليهم: عائشة وابن عباس وابن عمر قالوا فى شرح الآية: { وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن }     [ سورة النور 24: 31] إن المقصود بالزينة الظاهرة: الوجه والكفان. وقول هؤلاء الصحابة فى شرح الآية المنوه عنها ليس دليلاً على وجود حديث مستقل بعدم كشف ما سوى الوجه والكفين, وإذا كان هذا الحديث موجودًا فى عصركم, فلماذا لم لم يركنوا إليه ويحتجوا به؟ , ومن جانب آخر, فإن الذين يؤكدون على الحديث يعززونه بالآية المذكورة, والذين يشرحون الآية ـ بتحديد الزينة بالوجه والكفين ـ يركنون إلى الحديث, ومن ثم فهى حلقة مفرغة يدور فيها القول ويجرى المرء ويتشتت الفكر دون أن يستطيع التحديد: ما الذى بدأ وما الذى تلى؟, ماذا يفسر ماذا؟, هل الآية تعزز الحديث أم أن الحديث يشرح الآية؟.

 

وثم حديث آخر يضعف من الحديث السابق, فيزيده وهنًا على وهن, ففى الحديث: { لا تُقبل صلاة الحائض إلا بخمار } أخرجه أبو داود ( مُخرج الحديث السابق ذكره ). كم أخرجه الترمذى وابن ماجه وابن حنبل. [ مفتاح كنوز السنة ـ صفحة 168 ].

 

فهذا الحديث الذى رواه أربعة من أئمة الحديث ـ منهم ثلاثة تُعد كتبهم من الصحاح, ومنهم أبو داود مُخرج حديث " إذا عركت ( بلغت ) المرأة" هذا الحديث يفيد بوضوح أن شعر المرأة لم يكن يُغطى " وفقًا لحديث إذا عركت المرأة", وأنه من ثم كان يوضع عليه خمار أثناء الصلاة, والخمار لغة : كل ماستر, ومنه خمار المرأة [ المعجم الوسيط ـ مادة خمر ] , وهو ثوب أو طرحة [ المعجم الوسيط ـ مادة طرحة ] تغطى بها رأسها.

 

فالوصية بأن تغطى المرأة رأسها بخمار عند الصلاة يفيد ـ بمفهوم المخالفة ـ أن هذا الرأس لم يكن يُغطى قبل الصلاة , أى أن غطاء الرأس وصية للمرأة عند الصلاة, لكنه لايلزم فيما عدا ذلك, ولا أساس متينًا للقول بغير ذلك, بل هى آراء متضاربة يشد بعضها أزر بعض, فيقوض بعضها كل بعض.

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الخـلاصــة

 

يُخلص من كل ذلك:

 

( أولاً ): أن الأحاديث " السنة" المروية عن النبى ثلاثة: متواترة, ومشهورة, وآحاد.

(1) فالحديث المتواتر هو ما رواه عن النبى جمع من الصحابة ثم جمع من التابعين ( أى الجيل الذى يلى الصحابة ) ثم جمع من تابعى التابعين   ( أى الجل الذى يلتى التابعين ), وهو ما يتحقق فى العبادات والشعائر: كالصلاة والحج والعمرة لإذ روى عن النبى أنه قال : { صلوا كما رأيتمونى أصلى } , كما قال : { خذوا عنى مناسككم }, ومن ثم أخذ المسلمون عنه أحوال الصلاة وشعائر الحج والعمرة, لأنها أحاديث قطعية الورود " قطعية الأحكام".

أما فى الأحاديث القولية فلم يثبت عن النبى حديث متواتر إلا حديث واحد هو: { من كذب على متعمدًا فليتبوأ مقعده فى النار }.

والأحاديث المتواترة يؤخذ بها فى المسائل الاعتقادية, فيكون منها الفرض الدينى والواجب الدينى.

 

(2) والأحاديث المشهورة هى ما رواه عن النبى صحابى أو جمع لم يبلغ حد التواتر, ثم رواها فى عصر التابعين وعصر تابعى التابعين جمع بلغ حد التواتر.

وهذخ الأحاديث مقصورة على حديثين هما " بنى الإسلام على خمس ..... " وحديث " إنما الأعمال بالنيات .....".

 

(3) وأحاديث الآحاد هى تلك التى رواها عن النبى عدد لم يبلغ حد التواتر فى عصور الصحابة وتابعى التابعين, أى أنه الحديث الذى رواه واحد عن واحد عن واحد ... وهكذا . [ يُراجع: محمد فؤاد شاكر: حديث الآحاد ومكانته فى السنة ـ مكتبة الحجاز : " وله رأى مخالف" ].

وأغلب الأحاديث أحاديث آحاد.

وهذه الأحاديث تقوم على الظن بنسبتها إلى النبى ولا تنبنى على القطع واليقين.

وقد أنكرت بعض الفرق والمذاهب أحاديث الآحاد, مثل الشيعة والمعتزلة والرافضة وبعض الخوارج.

وثم فتوى من الأزهر بأنه لا يعد كافرًا من أنكر استقلال أحاديث الآحاد بإثبات الإيجاب " الوجوب, الفرض" لأنه أنكر شيئًا اختلف فيه الأئمة ونبنى على الظن.

ونتيجة لذلك فإن الرأى أنه لا يؤخذ بأحاديث الآحاد فى الأمور الاعتقادية ـ التى تتصل بالدين أو تتعلق بالشريعة ـ لأن هذه الأمور ينبغى أن تنبنى على اليقين ولا تؤسس على الظنون, ومن ثم فإنه لا تقوم بحديث الآحاد فرض دينى أو واجب دينى, وإنما يُعمل بهذا الحديث فى شئون الحياة الجارية, على سبيل الاستئناس والاسترشاد.

 

( ثانيًا) : الحديث الذى يُعتمد عليه فى مسألة تغطية شعر المرأة ـ بما يُسمى خطأ بالحجاب ـ { إذا عركت " بلغت" المرأة لم يصلح لها أن يظهر منها إلا هذا وهذا, وأشار النبى إلى وجهه وكفيه}. هذا الحديث حديث أخرجه أبو داود فى مسنده, ولم يرد فى صحيح البخارى أو صحيح مسلم أو مسند احمد , أو غيرها من كتب الحديث المعتمدة والمعتبرة صحاحًا, ومن المعلوم أن أبا داود لم يكن يتشدد فى بيان الرواة " أى لم يكن يتثيت تمامًا من سلسلة الرواة".

والحديث ـ مع ذلك ـ حديث مرسل ( أى لم يرد فيه اسم الصحابى الذى رواه ) وقد ضعفه أبو داود نفسه, إذ قال إن خالد بن دريك الذى رواه عن عائشة " زوج النبى" لم يدركها ( أى لم يعش فى حياتها).

 

( ثالثًا ) : وهذا الحديث, كغيره من أحاديث الآحاد, لايُعمل به فى الأمور الاعتقادية, فلا يعتبر ما ورد فيه فرضًا دينيًا أو واجبًا دينيًا, بل يؤخذ به فى أمور الحياة العملية على سبيل الاستئناس والاسترشاد.

ومن يُنكر استقلال هذا الحديث بتحديد فرض دينى أو واجب دينى لا يعتبر آثمًا أو عاصيًا أو منكرًا لشئ من الدين أو كافرًأ.

 

( رابعًا ) : ثم حديث آخر يُضعف الحديث السابق تضعيفًا كبيرًا, إذ روى عن النبى أنه قال: { لا تُقبل صلاة الحائض إلا بخمار } والخمار هو الطرحة .

وهذا الحديث أخرجه أبو داود ( مخرج الحديث السالف ) وابن حنبل وابن ماجه والترمذى, وإذ كان الخمار يعنى وضع غطاء على الشعر فإن معنى ذلك أن المرأة لم تكن تغطى رأسها عادة, وأن الحديث أوصى بأن تغطى هذا الشعر بخمار " طرحة" عند الصلاة فقط.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

الخـاتمــة

 

إنه لابد لتجديد الفكر الدينى وتحديث العقل الإسلامى من أن تُعاد دراسة الأحاديث المروية عن النبى دراسة تقوم على أسس علمية راسخة, وتنبنى على منهج نقدى " فحصى" سليم, وتستوى على فهم متكامل شامل. وبغير ذلك فسوف يظل الهرم مقلوبًا والصورة سالبة, إذ يبدأ الاعتقاد بأقوال شاردة أو عبارات مرسلة أو أحاديث ضعيفة, ثم تقوم الدراسات وتعمل المؤلفات على تبرير الخطأ وتسويغ الاضطراب وتقوية الضعيف, فى حين أن العمل القويم والمعيار السليم والميزان المستقيم أن تبدأ الدراسات وتشرع المؤلفات وهى محايدة, تدرس بعمق وتفحص بدقة وتنفذ ببصيرة, حتى إذا ما انتهت إلى الصواب من الأمور والصادق من القول والصحيح من الحديث قدمته للأمة ـ وللإنسانية ـ عملاً جادًا ودراسة سديدة وتقديرً متكاملاً, ومن ثم يقوم الإيمان على الصواب, ويرتفع الاعتقاد على الصدق, وتستوى المفاهيم على الصحيح.

 

ومن جانب آخر, فإنه لمن الخطأ الجسيم والخطر العظيم أن يختلط التراث الشعبى بالمفهوم الدينى, وأن تتداخل العادات الاجتماعية فى التحديد الشرعى. إذ مؤدى ذلك ـ إن حدث ـ أن يضطرب المفهوم الدينى وأن يهتز الميراث الشرعى, فيدخل على هذا وذاك, ما ليس منه وما هو غريب عنه, وبذا يصح التراث الشعبى مفهومًا دينيًا على غير الحق, وتصير العادات الاجتماعية أوضاعًا شرعية دون أى أساس, وبغيم الأمر لدى تاناس فلا يستطيعون تمييز الدينى من الموروث الشعبى, ولا يقدرون على استبانة العادات الجارية من الحكم الشرعى, وهو أمر يسئ إلى الدين أيما إساءة.